تلقيت بألم بالغ خبر وفاة الأستاذ عبد الرحمن بن محمد المنصور بعد ظهر الثلاثاء 19 صفر 1429هـ الموافق 26 فبراير 2008م بالاحساء حيث كان يقيم بقية حياته –رحمه الله-.
لقد تألمت كثيراً لانقطاع الاتصال به خلال السنة الأخيرة من حياته، إذ كنت مذ عرفته والتقيته وتوطدت العلاقة به بعد زيارته مع أستاذي عبد الكريم الجهيمان والأستاذ محمد الفايدي قبل تسع سنوات بمنزله بمدينة المبرز بالأحساء، وتكرر اللقاء بعد أشهر مع الأخ محمد السيف وتم خلال زيارته تسجيل شيء من سيرته الذاتية ضمن برنامج (التاريخ الشفهي للمملكة)، الذي تحرص عليه مكتبة الملك فهد الوطنية.
وبعد سنتين من اللقاء الثاني اتفقت مع الأستاذ عبد الكريم الجهيمان على زيارة الصديق جبير المليحان في البحرين إذ كان يعمل بوزارة التربية معاراً من وزارة المعارف بالمملكة.
فاتصلت بالمرحوم عبد الرحمن المنصور.. والتقينا هناك وكان يرافقه ابنه الدكتور هشام وانضم للمجموعة الأستاذان عبد الله الشباط ومحمد السيف. وكانت فرصة لاستعادة ذكرياتهم قبل أكثر من خمسين عاماً عندما كانوا فرسان صحافة الأفراد في المنطقة الشرقية، فقد كانت جريدة (أخبار الظهران) تصدر بالدمام ويرأسها الجهيمان والتي لم يكتب لها الاستمرار، أما الأستاذ عبد الله الشباط فقد أصدر مجلة ثم جريدة (الخليج العربي)، وكان عبد الرحمن المنصور ينشر فيهما وفي جريدة (الفجر الجديد) التي توقفت بعد صدور ثلاثة أعداد، كان ينشر بهما قصائده إذ كان حديث عهد بالمنطقة فقد تلقى تعليمه الجامعي بالقاهرة بالجامع الأزهر ثم الماجستير من جامعة إبراهيم باشا – عين شمس أخيراً- بالتربية وعلم النفس، وعاد عام 1372هـ/1952م ليعمل مع الأستاذ عبد العزيز المعمر عند تأسيسه لمصلحة العمل والعمال بالدمام عام 1374هـ فكان ينشر قصائده الملتهبة وبطريقة غير مألوفة ؛ إذ يعتبر من رواد الشعر الحديث في المملكة فهو يتنازع ريادة الشعر الحديث في نجد مع محمد العامر الرميح وناصر بوحيمد فقد نشر أول قصائده عند تخرجه من الجامعة المصرية في العدد الأول من مجلة (اليمامة) التي صدرت من القاهرة عام 1372هـ/1952م تحت عنوان (أحلام الرمال) وتتابعت بعد ذلك قصائده من خلال صحيفة (الفجر الجديد) ومجلة (الإشعاع) وجريدة (أخبار الظهران) أعوام 74-76هـ وصوت البحرين وغيرها.
كان وقتها يعمل في مصلحة العمل والعمال بالدمام مع الأساتذة عبد العزيز المعمر وعبد الله الجشي وعبد العزيز السنيد وعبد الرحمن البهيجان وغيرهم، وعندما أنشئت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية عام 1379هـ/1380هـ انتقل للرياض للعمل بها مديراً عاماً لشؤون العمل حتى تقاعده القسري عام 1384هـ/1964م. فأقام بالاحساء بقية حياته رحمه الله. لقد تحدث معي عن ذكرياته بدءاً بطفولته بالزلفي.. فقال إنه كان مع أقرانه يذهبون إلى مكان (معركة السبلة عام 1347هـ/1928م) لجمع أغلفة الرصاص (الفشك) للعب بها، وعند بلوغه العاشرة من عمره سافر للرياض بتشجيع من جدته مع أحد طلبة العلم مقبل العصيمي- وكان كفيف البصر- وعند وصوله للرياض عمل صبياً لدى الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ – مفتي المملكة فيما بعد- وبعد سنوات رافقهم لأداء مناسك الحج بمكة المكرمة – فالتقى بطلبة العلم، ومنهم العلامة حمد الجاسر الذي شجعه على البقاء وطلب العلم فكان يعلمه القراءة والكتابة، ويذكر أنه خلال الحرب العالمية الثانية قد توقف وصول الورق فلم يجد ما يكتب به إلا أن يذهب للسوق فلدى بائعي الأقمشة ما تبقى من أوراق يلف بها القماش أو صور تلصق بلفات الأقمشة، فكان يجمع تلك الأوراق ويخيطها على شكل كراس، فيكتب له عليها حمد الجاسر الكلمات والمواضيع التي يعيد كتابتها وتقليدها حتى انتظم بالدراسة بالمعهد السعودي وتحضير البعثات، والتي قادته بعد ذلك للقاهرة عام 1367هـ/1947م. ويعد ثاني أقدم مبتعث من أبناء الزلفي إلى خارج المملكة بعد عبد الله الطريقي الذي سبقه إلى القاهرة –وزير البترول والثروة المعدنية فيما بعد-.
يذكر لي – رحمه الله – أنه وبعض زملائه السعوديين بالقاهرة عام 1371هـ ناصر المنقور وعبد الله القرعاوي ومحمد الفريح وصالح الجهيمان وعبد الرحمن ابا الخيل وإبراهيم العنقري وعبد العزيز الخويطر وعبد العزيز آل الشيخ وعبد العزيز القريشي قد اتفقوا على زيارة الشيخ محمد بن إبراهيم في المستشفى إذ كان في زيارة لمصر للعلاج ولزيارة لجامعة الأزهر للاستفادة من خبرتها في افتتاح المعاهد العلمية وكليات اللغة العربية والشريعة بالرياض.
يقول إنهم اتفقوا عند زيارته أن يناقشوا تعليم المرأة وأن ينقسموا إلى قسمين قسم يؤيد وقسم يعارض، وكان الشيخ يستمع لهم وهم يتجادلون ووصل بهم الأمر إلى أن احتد بعضهم على الآخر ؛ مما حمل الشيخ على التدخل وتقريب وجهات النظر فيما بينهم، وجعلوه يميل إلى جانب من يدعو لتعليم المرأة شريطة أن لا تخرج عن المبادئ والتعليم الشرعي.
أذكر أن الأخ محمد السيف قد جمع شعره وما كتب عنه قبل ست سنوات وطبعه في كتاب يحمل اسمه.
وفي الختام يسرني أن أستشهد بما كتبه معالي الدكتور عبد العزيز الخويطر –إذ كان يسكن معه بغرفة واحدة في دار البعثات بالقاهرة- في رثائه قبل أيام: «..كان يحب القراءة، فلا تكاد تراه – عندما كان طالباً- إلا وفي يده كتاب، ويكاد يقرأ كتاباً في كل يوم، وهذه قراءة حرة لا تمت إلى دراسته بسبب، كان يحب قراءة كتب الفلسفة والمنطق والفكر، ووجد في الكتب المترجمة، وسوقها مزدهر في مصر حينئذ بغيته، واعتلى في علمه وثقافته فكان متقدماً عن المرحلة الدراسية التي هو فيها، ولهذا لم يكن يواظب على الدوام الدراسي، ومع هذا كانت نتائجه في الامتحان باهرة، وكان متقدماً في فكره وثقافته، وإذا قرأ كتاباً همش عليه بآرائه التي ينقض بها آراء بعض فلاسفة العصر ومن سبقهم.
كنا ننام وهو يقظ، ولا ينام إلا عند طلوع الفجر، وهو مطمئن لأن كليته لا تطالبه بحضور منتظم، وكان له صديق يمده بالمذكرات، التي تعد تحت مستوى تفكيره وثقافته.
وكان شاعراً متميزاً، ولكنه كان مقلاً، وكان مبدعاً في الشعر الحديث أيضاً، وله فيه طرق تعد بدءاً وبدعاً في زمننا ذاك». رحم الله الفقيد، وعزاؤنا لزوجته بهية الصويغ ولأبنائه وبناته ومحبيه..
وداعاً.. عبدالرحمن المنصور
9 مارس 2008 - 20:28
|
آخر تحديث 9 مارس 2008 - 20:28
تابع قناة عكاظ على الواتساب