السؤال الذي يتوقف أمامه كثيرون: لماذا كانت فرنسا وحدها من دون كل بلاد الدنيا هي الأرض التي نبتت فيها كل مدارس الفن واتجاهات الإبداع ونظريات النقد؟ القاعدة الجغرافيا الغريبة تقول إن الجنوب الجغرافي دائما أقل إبداعا وتحضرا من الشمال، وايطاليا وحدها كسرت القاعدة، فجغرافيا هي جنوب أوروبا ومع ذلك على امتداد تاريخها كانت تعج بحركة الفن والفنانين، فينيسيا بالذات، حد أن فناني هولندا الكبار مثلا لم يقتنعوا بأنهم " قد تخرجوا في مدارس الفن " ما لم تحط رحالهم بايطاليا، ومع ذلك، ورغم أن ايطاليا هي التي كانت مؤهلة لإنضاج الاتجاهات والتيارات، فما عرفناه من المتابعة ومن كتب التاريخ يردنا بقسوة إلى غرابة السؤال : " لماذا فرنسا بالذات؟ " فحتى الأساتذة الرواد من الايطاليين الذين تبنوا فلسفة معينة لم يعلنوا عنها على أرض بلادهم وإنما على تربة فرنسا..! وكمثال فان الأربعة أصحاب " المستقبلية " من الايطاليين عندما أرادوا أن يعلنوا عن حركتهم توجهوا إلى فرنسا وأعلنوها من خلال " الفيجارو " الفرنسية، وعندما سئلوا عن السبب قالوا " إنما نريد أن نحرر فرنسا من ذوق استعبدها"، وعلى مر السنوات عمل " صالون باريس" للفن التشكيلي أكاديمية تتخرج فيها مدارس الفن .
بيانات السريالية لأندريه بريتون صناعة فرنسية لمعلم فرنسي، والألسنية والبنيوية من الصناعات الفرنسية المحلية وكذلك صناعها سوسيير وبارت وغيرهما، وقبل ذلك واقعية بلزاك والكسندر دوماس، والتاريخ حافل لا يحتاج إلى سرد.
هذه ظاهرة عند كثيرين ليس لها تفسير فلا تفترق عن بركان فيزوف الذي لم يعرف أحد لماذا خرج في موقعه دون سواه..
فرنسا أيضا بلد العطور وأدوات الزينة تصدرها للعالم كله، وبلد اللوفر أعرق متاحف العالم، لم تشغل اهتمامات السياحة الناس عن الفن والأدب، ولم تنصرف فعالية إنتاج المدارس الأدبية والتيارات الفنية إلى إنتاج العطور التي حققت فيها فرنسا أرقى الامتيازات. لو تأملنا التاريخ الفرنسي لوجدنا أنها على مر العصور لم تضع على رأس جهاز للثقافة أو الإعلام إلا أكبر الرموز الثقافية أو الإعلامية في المجتمع من أمثال الروائي والناقد والمفكر الرهيب أندريه مالرو.
في اجتماعات وزراء الإعلام العرب خرجت وثيقة الشرف للفضائيات العربية، تحدد قائمة لعقاب المخالفين لها تجعل من تنفيذ هذه الوثيقة أمرا لا مفر منه " بيدكم أوبيدنا" ، بيدكم تكفون، وبيدنا نسقط المخالف من سطح الأقمار الصناعية ونمنعه من دخول الاستوديوهات..
أتصور اللحظة لو أن أندريه مالرو كان من بين المشاركين، هل كان ليوافق على قرار يقيد الحريات أم كان ليصوغ قرارا أشد قسوة وصرامة بمنع فوضى الفضائيات العربية وتحولها إلى " كباريهات مجانية على الهواء " ؟
لكننا لكي نكون منصفين يجب أن نعترف أن أي قرار يكرس لحفز الوعي أو النهوض بثقافة الأمم مستحيل في عالمنا العربي، لأننا لحظتها لن نجد واحدا من الكوادر القادرة على إدراك المهمة والنهوض بها، ولن تجد إحدى الفضائيات "إعلانا" واحدا يسد رمقها وتطلعها إلى جمع المال.
دروس التاريخ.. بلا طائل
26 فبراير 2008 - 23:03
|
آخر تحديث 26 فبراير 2008 - 23:03
تابع قناة عكاظ على الواتساب