أورد الدكتور صالح بن زابن المرزوقي لملحق (الدين والحياة) في صحيفة عكـاظ يوم الخميس 25 ذي الحجة 1428عدداً من المواضيع الهامة التي تتعلق بقضية رؤية الهلال وأوضح مشكوراً العديد منها خاصة رأي الشرع وأقوال العلماء، كما ذكر في المقابل بعضاً من الأمور المتعلقة بالحساب الفلكي وذكر قرارات المجمع الفقهي بالرابطة حول ذلك، وطالب أخيراً بضرورة وجود مرصد
فلكي يستعان به لمزيد من التثبت والدقة في رؤية الهلال . كما رجح الدكتور المرزوقي اختلاف المطالع وعدم توحيد يوم الصوم كما رجح عدم الأخذ بالحساب الفلكي لصريح النصوص بضرورة الرؤية البصرية .

 ورداً على ذلك أقول وبالله التوفيق:
لم تعد قضية الهلال حكراً على فئة من الناس، فهناك مواقع كثيرة على شبكة الإنترنت تهتم بالهلال وحساب تولده ووجوده فوق الأفق، ولم يعد أمر هذه الحسابات صعباً أو بعيد المنال عن أي شخص، بل إن العلماء المختصين بهذا الفن أصبحوا يتجمعون في روابط علمية دولية يجمعون معلوماتهم ليخرجوا بالتصور الأنسب لكيفية حل قضية الهلال الشائكة، وما هي والله بشائكة، بل إن عدداً كبيراً من علماء الفلك غير المسلمين لكنهم من خبراء الحسابات الفلكية بالأهلة يشاركونهم آراءهم وحساباتهم ويقدمون لهم النصائح العلمية المطورة لبرمجياتهم الفلكية التي تحسب حركة القمر وتولد الهلال ووجوده فوق الأفق الغربي وإمكانية رؤيته .
وقد عمل الكثيرون من علماء الفلك على وضع برمجيات قائمة على أخذ الأرصاد الفلكية التي يرسلها أكثر من 300 راصد من مختلف بقاع الكرة الأرضية لتعطي التصور الأنسب لإمكانية رؤية الهلال بالطرق العلمية الرصدية الطبيعية وهي العين المجردة والتلسكوبات، كما يفعل أعضاء المشروع الإسلامي لرصد الأهلة .
ولم يخب ظن هؤلاء الفلكيين بحساباتهم أبداً، بل إن الدقة العالية في الحسابات لا تحتاج عندهم إلى برهان، فما مواقيت الصلوات وشروق الشمس إلا عمل بدائي من أعمال الحسابات الفلكية، وهي مرتبطة بالشمس مباشرة، والله تعالى يقول : (الشمس والقمر بحسبان ) فإن كنا آمنا وسلمنا بأن الفلكيين هم من وضع مواقيت الصلوات المرتبطة بالشمس التي تحجب النجوم بضوئها فلا نعرف منازلها سوى بالحساب، فمن باب أولى أن يكونوا قادرين على حساب حركة القمر الذي يتنقل بين النجوم الظاهرة خلفه والمعروفة منازله وأنواؤه، وكلا الجرمين يسيران (بحسبان) أي بحساب دقيق جداً .
لكنهم في الوقت ذاته، يصدمون في كل مرة حين يظهر في الساحة من يشهد بوجود هلال غاب قمره قبل غروب الشمس، وهي الحادثة التي حدثت في السنة المنصرمة 1428 مرتين على الأقل : في نهاية شهر رمضان المبارك وفي بداية شهر ذي الحجة، الشهرين الأهمين بين شهور السنة كلها لما يترتب على بدايتهما من عبادة الصوم وعبادة الحج .
فإذا كانت الجهات الرسمية الشرعية والعلمية والوزارية في المملكة العربية السعودية قد أقرت المعيار الجديد لتقويم أم القرى وهو : ( إذا حدث الاقتران المركزي قبل غروب الشمس وغاب القمر بعد غروبها، يكون اليوم التالي هو الأول من الشهر الهجري الجديد)، بل وشكلت عدداً من اللجان المختصة لرصد أهلة بدايات الشهور موزعة على مختلف مناطق المملكة، فكيف يمكن أن يرى الهلال قبل هذا الموعد وحتى قبل أن يعلن تقويم أم القرى ذلك،  وفي كلا الشهرين الكريمين ؟  أليس من المنطقي أن يكون أعضاء هذه اللجان خارجين للرصد إن كان هناك هلال في الأفق ؟؟
تقويم أم القرى
والسؤال هنا: أليس تقويم أم القرى بأوراقه التي تقلب كل يوم مرة والذي نتابع عليها أوقات الصلوات ونؤمن بها أيما إيمان ونصدقها أيما تصديق، بل إنك إن خرجت وتابعت شروق الشمس أو غروبها فإنك لن تجد سوى الدقة التامة والتطابق الرائع بين ما يرى بالعين وبين ما هو مكتوب في التقويم، أليس هو نفس التقويم الذي يضع على نفس أوراقه بدايات الشهور الهجرية ونهاياتها بحسب المعيار المعتمد والمصادق على صحته؟؟
أليس التصديق بصحة أوقات الصلوات فيه وعدم التصديق بحساباته للهلال مدعاة للتساؤل والتعجب ؟؟
 وإذا كنا ملزمين بالرؤية كما يؤيد الدكتور المرزوقي، فلماذا لا يسبق الرؤية حساب نستأنس به لمعرفة ما إذا كان الهلال موجوداً في الأفق أو لا ؟
 وإذا وجد من يرى الهلال في ليلته الأولى  ، فإنه في ليلته التالية لا شك وأن يظهر أوضح وأكبر مما كان عليه في ليلته التي شوهد فيها ،،، وهي حقيقة لا تخفى على أحد، فلماذا إذاً لم ير الهلال في ليلته الثانية في أول أيام عيد الفطر وفي أول أيام شهر ذي الحجة ؟ أليست شهادة شاهد مسلم عدل كافية أن يبدأ بها الشهر؟ فكيف يتأتى أن تكون شهادته أو شهادة عدد من مناطق مختلفة صحيحة ولا يظهر الهلال للناس في اليوم التالي ؟
 لماذا لم يظهر أي فلكي في نفس اليوم ليعلن بأنه رأى الهلال، أليسوا هم أصحاب الخبرة في رصد أجرام السماء وحساب حركتها، فمن باب أولى أن يكونوا هم السابقين في إعلان رؤية الهلال، لكنهم دوماً لا يفعلون ولا يظهرون .
 ومن هنا نتساءل : هل تطرح على الشهود الذين يتقدمون للشهادة أسئلة تتحقق من صحة ما قد رأوا ؟ خاصة وأننا كفلكيين نقرأ بأن الشاهد قد رأى الهلال نصف دقيقة ثم غاب أو رآه دقيقتين ثم اختفى ... أين سيغيب وكيف سيختفي ؟ هل القمر شهاب يظهر ويغيب في لحظة ؟  أم أنه قمر يدور حول الأرض ببطء فإن ظهر لشخص أمكن لأشخاص كثيرين رؤيته لأكثر من  عشر دقائق قبل أن يغيب ؟ فقد تعلمنا من خبرتنا في رصد الأهلة أموراً هي :
- الخروج لرصد الهلال في اليوم الذي تشير فيه حساباتنا أنه موجود فوق الأفق بعد غروب الشمس .
- لا يبدأ رصد الهلال قبل عشر دقائق من موعد الغروب لشدة وهج أشعة الشمس الذي يحجب أنوار النجوم والكواكب اللامعة ومن باب أولى الهلال الضئيل .
- ننظر فوق الشمس أو إلى يسارها بحسب الخرائط الفلكية التي تحدد موقع القمر بالنسبة للشمس .
- نستخدم كل الوسائل البصرية المتاحة من مناظير وتلسكوبات والتلسكوبات المحوسبة للعثور على الهلال .
- لا ننتظر بعد غروب الشمس لأكثر من ساعة لأن الهلال سيكون قد غاب تحت الأفق كما تفعل النجوم وسائر أجرام السماء .
- على من يدعي رؤية الهلال أن يستخدم أية طريقة لإثبات صحة ادعائه بأن يريه لأكبر عدد من الحاضرين وإلا فإنه سيكون واهماً .
- ما يمكن أن يراه شخص سليم البصر في موقع، يمكن أن يراه أمثاله في نفس الموقع ولا عبرة بالحالات الخارقة كزرقاء اليمامة أو عين الصقر، ما لم يراه التلسكوب الذي يفوق القدرة البصرية لدى الإنسان مهما بلغت .
 اختلاف المطالع
أما قضية اختلاف المطالع فهي أمر لا شك في ضرورة وجوده بين أقطار الكرة الأرضية المتباعدة كباكستان والمغرب العربي اللذين بالكاد يشتركان في جزء من الليل ولا تلزم أحدهما رؤية الآخر الا ان يكون إلى الغرب منه، فرؤية المغرب لا تلزم أهل باكستان، لكن رؤية باكستان تلزم أهل المغرب لأنهم إلى الغرب منها .
لكن الذي لا يقبله الفلكيون هو اختلاف المطالع بين البلدان القريبة والمتجاورة والتي تقع كلها في حيز صغير من الكرة الأرضية وتشترك معاً في أكثر من 90% من الليل، فما هي حجة اختلاف المطالع عندهم ؟
أما حديث كريب المشهور، فلا شك بأنه من ثوابت الشريعة، لكنه كان في زمن ليس فيه حسابات فلكية ولا اتصالات لاسلكية ولا برمجيات ولا تلسكوبات، فكيف نقارن ذلك العصر بهذا العصر والفقه يتجدد مع الواقع لتجدد المسائل الشرعية في كل زمان ومكان ؟ خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قال عن عصره : (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا .. الحديث) ولسنا في هذا العصر كذلك، بل إننا نكتب ونحسب ونطير ونسافر ونرتاد الفضاء فكيف ينطبق ذلك الحال علينا ؟
 وصحيح أن من البلدان الإسلامية من يعمل بالحساب الفلكي، لكن ذلك ليس هو الذي عليه الفلكيون في أرجاء الأرض، فما يطالب به الفلكيون هو أمر واحد لا ثاني له، وهو ألا تقبل شهادة شاهد أياً كان قبل أن يقول الحساب الفلكي أن رؤية الهلال في السماء ممكنة فاخرجوا لرصد الهلال :
- حينها  فقط  يمكن التوفيق بين الفلكيين وحساباتهم الفلكية وبين أمر الشرع برؤية الهلال .
- وحينها  فقط سيظهر أقصى اختلاف بين دول العالم الإسلامي يوماً واحداً لا ثلاثة ولا أربعة أيام كما يحدث في كل سنة تقريباً .
- وحينها  فقط سيتحقق الوقوف على عرفة بشكل يقيني لا يحتمل الشك.
- وحينها  فقط ستحل قضية الهلال إلى الأبد .
- وحينها  فقط لن نسمع اختلاف الفلكيين مع الفقهاء مع أن أكثر الفلكيين الذين يعملون في قضية رؤية الهلال هم من الفقهاء في هذه القضية .
- وحينها فقط لن يصبح شهر ذي الحجة واحداً وثلاثين يوماً كما حدث مع ذي الحجة المنقضي .

* عضو لجنة الأهلة والمواقيت بالاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك عضو المشروع الإسلامي لرصد الأهلة عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد بأبها