مساء يوم من أيام عيد الفطر المبارك كنت عائداً ومعي عدد من الأصدقاء إلى الرياض، قادماً من مدينة أخرى من مدن مملكتنا السعيدة، وفي منتصف الطريق تقريباً بدأ سائق سيارتنا يُهدئ السرعة بشكل مفاجئ وقوي تفادياً لتجمع غير واضح المعالم، بدا للوهلة الأولى يشير بوجود حادثٍ مروري جلل وقع لسيارة أو أكثر قبل زمن قليل.
وبعد وصولنا إلى موقع التجمع أوقفنا سيارتنا في مكان آمن بعيد نسبياً من التجمهر بعد أن أشعلنا إشارة التحذير المبكر للقادمين الآخرين، وهو أمرٌ فعله كثيرون مثلنا ممن صادف وجودهم مكان الحدث. بدورنا هرولنا مسرعين لنجد على بعد مئات الأمتار سيارتين زالت كل ملامحهما من جراء الاصطدام الثنائي بينهما، وبدايات الحريق اللاحق الذي اشتعل فيهما في نفس الوقت تقريباً. وجدنا كذلك أن (شباب) بعض السيارات الهارعين لنجدة المصابين كانوا قد أنجزوا مهماتهم التي يعرفون أنها ضرورية في ظل تثاؤب من يُناط بهم عادة إنقاذ أرواح الناس وإسعاف جرحاهم، أو الآخرين الذين يحددون من هو المخطئ في نفس الوقت الذي يسهلون فيه انسيابية المرور والحركة بعد إزالة آثار الحوادث، شباب ذلكم المساء كانوا غير عاديين كما هو ديدنهم دائماً.. كما يبدو: تقافزوا من سياراتهم لينقذوا المحشورين بين أطنان الحديد الساخن وقبل أن تنفجر خزانات الوقود؛ راحوا يحملون الصغار ويدفعون بالنساء إلى حيث سياراتهم الخاصة الحاملة لعوائلهم التي نزلت حُباً وكرامةً للمصاب وجبراً لخواطر الفزع. وفوق ذلك هرع (الشباب) في حمل المصابين من خلال سياراتهم الخاصة إلى أقرب مستوصف أو مستشفى، أما من لفظ أنفاسه في موقع الحادث فكانت حرمة موته قد تكفل بها البعض الآخر من الشبيبة المليئين بالنخوة والورع والنُبل.
تم ذلك في دقائق حتى أننا لم نستطع أن نفعل شيئاً فوق الذي عمله هؤلاء الجنود المجهولون؛ أنا أجزم أنك لن تجد في بلاد العالم مثل هؤلاء (الشباب) الذين امتلأت صدورهم حباً في الخير وتمكنت بشكل بهي في جوارحهم؛ إنهم لا يبالون بمن كان في العربات المحترقة أو المقلوبة والمهشمة.. لونهم.. جنسهم.. واتجاهاتهم.. قد يكون فيها من سرق أحلامهم من هوامير السوق المالية.. ذلك لا يهم عندهم. قد يكونون ممن سرق ما اكتنزه هؤلاء البسطاء لعوادي الزمن بحجة أن أرض المستقبل المباعة لهم -خداعاً- والتي سيبنون عليها منازل الأحلام بات قاب قوسين أو أكثر.. إنهم لا يبالون بكل ذلك حين وقوع المكروه. وقد يكون المصاب -أو المصابون- ممن أوهمهم بأن الثراء سيكون حليفهم فقط إن ابتاعوا تلك (البطاقات) أو ساهموا في تجارتها، أو ممن حضهم على اقتناء سهم تجارة الدجاج والبيض والأثاث.. وحتى الملابس الداخلية.
.. إنهم لا يبالون حتى والأمر كذلك والأيدي الجريحة والمحروقة والنازفة تمتد لهم.
.. قد يكون في تلك السيارات المنصهر حديدها من يختلف مع المسعفين والمنقذين المتطوعين، في إسبال الأيدي حين الوقوف في الصلاة أو ضمها، وقد يكون من بين أهل الأنين والوجع من يُوصف بأنه صاحب غلو في الدين أو من كان نقيضه.. علمانياً أو ليبرالياً حسب التصنيف الحالي للناس وضمائرهم.. إنهم لا يبالون ولا يكترثون إن كان المكلومون من هؤلاء أو من أولئك؛ فنساء من في داخل السيارات التي زالت معالمها من أثر الاصطدام نساؤهم، والأطفال أطفالهم والرجال مهما تكن تصرفاتهم وسلوكياتهم السابقة إخوانهم وآباؤهم وأبناؤهم. طوبى لتلك الشبيبة من أبنائنا، وسلام عليهم كلما أشرقت الشمس وغربت. كيف يكافأ أولئك العُصبة المباركة الذين نجدهم أثناء الملمات وأوقات الكرب؟ أننحني لهم؟ إنهم سيغضبون حينها لأنه لا انحناء إلا لله.. هكذا هو خُلقهم.. أنرفع قبعاتنا احتراماً لهم؟ نحن لا نلبس تلك الهيئة من اللباس فأين لنا بها.. وهل يقبلون إن نحن فعلنا ذلك؟ أنعطيهم أظرفاً مليئة بالنقود كتعبير (شرقي) للامتنان؟ سيعتبرون ذلك جرحاً لكرامتهم وانتقاصاً من فعلهم التلقائي الفطري الذي لا يقبل -في رأيهم النادر- المبادلة والقياس!
ما لهم علينا -والحال كهذه- إلا الدعاء.. الدعاء بألا تُستغل تلك النخوة والإيثار (والفزعة) لتنقلب وبالاً على بلادهم وأهلهم وأوطانهم إن هي وضعت بين أيدي مخططي الشر والترهيب. ودعاء ألا تموت تلك الخصائل النادرة والثمينة وتذبل، والمجتمع يئن تحت وطأة الغش والتدليس والجشع وصراع الطبقات المرير.. وكلها ومعها أخواتها من الأثافي تجعل المتحشرجة أنفاسهم تحت الحديد الساخن لا يأملون -وقد غاب أهل الإيثار- ببقية من حياة، وجمهرة من المتطفلين المترددين تتحلق من حولهم، وهم ينظرون بلا مبالاة لطلاب العون والنجدة، والذين سيطول انتظارهم لفئات من البشر غاية في الطيبة.. أو لصوت أجهزة إنذار السيارات المتثائبة والقادمة لإنقاذهم.. إن كانت هنا بقية حياة!
أخبار ذات صلة