في طرقات قرية فرشة الشامي على سفوح جبال ادقس لا تسمع سوى حفيف خطوات متثاقلة لرجال مسنين ونسوة عواجيز وكحة جافة تخرج بحشرجات من الصدور المصابة بالوهن. ليست فرشة الشامي «فرشة» مسقوفة بالورد وظلال النخيل وانما مجرد قرية محفوفة بالتضاريس الوعرة وعواء الذئاب. حينما تختفي الشمس بين ثنايا الجبال الكل في القرية يحث الخطى نحو صنادق هشة تؤوي مئات الاطفال والامهات والكهول يرتمون في حضن الخوف والمعاناة فلا كهرباء ولا مياه نقية، أناس يعيشون بعيداً عن ضوضاء المدن وتصبح الحياة اكثر خطراً حينما تداهمهم السيول وتتقطع بهم السبل. سليم اللهيبي رجل عركته الحياة واخذ من التضاريس الوعرة صلابة الجسد ولكن بمرور السنوات وهن العظم ولم تعد خطواته تساعده للابتعاد عن صندقته التي تؤوي افراد اسرته، تلتقيه ذات ضحى فردت الشمس اشرعتها على الجبال فيقول بآهة تحاكي الحشرجة ان قلة الحيلة هي التي جعلته يمكث في هذا المكان الموحش ورأسماله مسكن بناه له فاعل خير وسيارة متهالكة لجلب الماء وعلف الماشية من القرى المجاورة على طريق الهجرة.
مآس وقصص وظروف قاسية تختزنها ذاكرة اهالي فرشة الشامي على مدى السنوات الماضية.. وجل حلمهم هوانتشالهم من منازلهم الجاثمة خلف جبل ادقس الشهير لعلوه الشاهق وبروايات الذئاب الجائعة التي تسكن الجبل وتغير على «شبوك» الاغنام بين الحين والآخر اكثر من «69» رأسا من الاغنام ذهبت في احشاء الذئاب الجائعة العام الماضي وحده علاوة على ان عواء هذه الوحوش يجعل الاطفال يجلسون على اعصابهم.
اسرار عديدة يسردها السكان عن احد ابناء القرية اعتاد على اعتلاء قمة احد الجبال المنحدرة في ارقس في كل صباح وفي المساء يهبوا للخلود الى النوم دون ان يحادث احداً ويخشى عليه الاهالي ان يكون فريسة للذئاب الجائعة في فرشة تضاريسها حجرية وشعابها وعرة وصنادقها لا تحمي من صقيع برد الشتاء ولا حرارة الشمس في عنفوانها بمواسم الصيف.