الرموز تتخاصم كما يتخاصم التاريخ مع الخرافة، وتتماهى تماهي الواقع مع الأسطورة، والتطابق بين الشخص والنص نادر في تراثنا العربي، إذ إن المأثور عن الشعراء أنهم يقولون ما لا يفعلون، كونهم في كل واد يهيمون، إلا أن قصائد الشاعر الراحل حسين سرحان تنبئ عن شخصيته وأنفته وتضفي عليه كثيرا من تراجيديتها. والأبطال التراجيديون قل ما وفّرت لهم الأقدار نهايات سعيدة. الشاعر سرحان تمتد أسرته إلى هجرة الروسان (مصدّه) شمال الدوادمي، ولد في مكة وتربى في حاراتها المدنية. سجّل نبوغا وحضورا لافتا في حفظ الشعر وكتابته الشعبي والفصيح. بدأ دراسته في الكتاتيب ثم في المسجد الحرام، والتحق بمدرسة الفلاح عام 1348هـ، وتعلم فيها الفقه بفروعه الأربعة والصرف والتاريخ، دفعه ولعه بالقراءة الخارجية لترك المدرسة دون أن يحصل على الشهادة الابتدائية.
في عام 1362هـ بدأ ممارسة العمل الوظيفي. انطلاقا من فرع مصلحة اللوازم العامة في الطائف، ومكة، ثم انتقل للعمل سكرتيرا في الإدارة العامة لوزارة المالية، وسكرتيرا لإدارة شؤون الحج واللجنة التنفيذية لتوسعة الحرم المكي، كما عمل في مطبعة الحكومة في مكة رئيسا لتحريرها ثم استقال؛ لأنه لم يكن من هواة الوظيفة كونها قيدا وطوقا.
دخل الصحافة من باب الأدب والثقافة فالسرحان شاعر وناثر ومحرر مهني. كان مستشارا للملك فيصل في الحجاز لأعوام عدة. سرعان ما عشق (البدوي) الحياة وافتتن بالجمال. وبفطرة سوية نجح في التحضر حتى غدا رمزا من رموز المجتمع المكي. إذ كان جده لأمه (أميرا) للمعابدة وخلفه عدد من وجهاء الأسرة في منصب الإمارة (العمودية) لاحقا.
فجع بوفاة ابنتيه وابنه محمد فدفعته حساسيته المفرطة إلى العزلة والتأمل. ومن صور العلاقة بين الأسطوري والواقعي في حياته أن مسؤولا كبيرا بعث له شيكا بمبلغ مليون ريال وكان سرحان في الستين من عمره، فكتب على ظهر ورقة الشيك (رجل في مثل عمري لا يحتاج مبلغا كهذا مع وافر امتناني) وأمر برد الشيك للمسؤول.
من شعره الفصيح (قد تصدق النائم أحلامه. إذا أحسّ الشوك في المرقد) ومن الشعبي (يا بوفهد رحنا وباكر تروحون. يا شين فرقا الناس بعد اجتماع) قال عنه علامة الجزيرة حمد الجاسر (واسع الاطلاع بدرجة عجيبة، بحيث لو وصف بأنه في خلال الثلث الماضي من هذا القرن قل أن يصدر كتاب في الأدب أو التاريخ أو في الشعر أو القصة لم يطالعه حسين سرحان). اعتنى بجمع آثاره الدكتور عبدالله الحيدري.
سرحان.. أنفةُ العزلة وحزن متصوف
6 مايو 2016 - 21:36
|
آخر تحديث 6 مايو 2016 - 21:36
سرحان.. أنفةُ العزلة وحزن متصوف
تابع قناة عكاظ على الواتساب
علي الرباعي (الباحة)
