لفت انتباهي خبر تدشين مشروع «بيت العائلة» في سجن بريمان بمدينة جدة المنشور في «عكاظ» يوم (الخميس) الماضي، وهو عبارة عن وحدات سكنية مجهزة بالكامل ومزودة بالشاشات التلفزيونية وصالات ترفيه الأطفال والمطابخ، إضافة إلى خدمات النظافة والوجبات الغذائية، وجميعها تتم تحت إشراف نسائي، والهدف من المشروع، تقويم النزلاء وتهيئتهم للاندماج في المجتمع الخارجي، وحتى يكون حافزا مشجعا للنزلاء الذين لديهم زوجات وأطفال، وحافزا للنزلاء المثاليين الذين يحرصون على الانضباط والسلوك الحسن، وهذا المشروع انطلقت بداياته في سجن المباحث بالرياض منذ عام 2013، ثم توجهت إدارات السجون الأخرى في بعض مدن المملكة نحو تطبيقه بعد نجاح التجربة الأولى، والتي تعد تجربة مميزة وأنموذجا في تطبيق مفهوم الإصلاح وليس العقاب فقط كما هو السائد في أغلب سجون العالم.
وفكرة هذا المشروع ذكرتني بدعوة تلقيتها في مطلع الألفية الثالثة من قِبل أحد زملاء الدراسة بالولايات المتحدة لحضور مناظرة أكاديمية في جامعة ولاية أركانساس حول مدى أحقية حصول فئات من السجناء على فرصة قضاء وقت خاص مع زوجاتهم في مساكن مخصصة لهذا الغرض ولمدة يوم في الأسبوع أو ما يسمى لديهم بتشريع «الزيارة الزوجية» (Conjugal Visit) الذي كان مسموحا به في 17 ولاية أمريكية ثم ألغي تدريجيا في باقي الولايات منذ عام 1990 وتبقت أربع ولايات فقط في 2015 هي التي تسمح سجونها بنظام الزيارات الزوجية والعائلية وهي ولايات كاليفورنيا ونيويورك وكونيتيكت وواشنطن، واستمعت حينها إلى مداخلة ثرية لأحد أساتذة علم النفس، أشار خلالها إلى أنه لا يجب أن يدفع ذوو السجناء ثمن الجرائم التي ارتكبوها، ولذلك يرى أنه من حق زوجات السجناء وأبنائهم التواصل معهم والالتقاء بهم في أماكن مجهزة بالخصوصية الكاملة لهذا الغرض، وأن يتم ذلك وفقا لشروط مرتبطة بنوع الجريمة وسلوك السجين، وأوضح أن مثل هذه الإجازة أو المكافأة هي جزء من إصلاح السجين وتقويمه وتهيئته للعودة إلى الحياة الطبيعية والاندماج في المجتمع كفرد صالح، وأن الهدف الأساسي من وضعه في السجن ليس العقاب فقط بل الإصلاح وتقويم السلوك، خصوصا أن السجين على الأرجح محكوم بمدة زمنية سيقضيها ويخرج يوما ما ولا نريد عودته إلى السجن مرة أخرى، وأكد أن تركيز السجون الأمريكية على العقاب وليس الإصلاح يتسبب في عودة أغلبية السجناء إلى ارتكاب الجرائم بعد خروجهم والعودة مجددا إلى السجون.
والحقيقة أن ما ذكره ذلك الأستاذ الأكاديمي كان أقرب إلى الصواب بغض النظر عن عدم حسم تلك المناظرة لصالح من كان مع أو ضد فكرة «البيت العائلي» أو «الزيارة الزوجية» في السجون الأمريكية، لأن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وزارة العدل الأمريكية تشير إلى أن ثلاثة أرباع السجناء (77%) من أصل 405 آلاف سجين أفرج عنهم في 30 ولاية خلال العام 2005 تم القبض عليهم في جريمة جديدة في غضون خمس سنوات من خروجهم من السجن، وذلك استنادا إلى دراسة دقيقة أجراها مكتب إحصاءات وزارة العدل الأمريكية (Bureau of Justice Statistics)، وهو ما يعطي دلالة واضحة على أن السجون الأمريكية بالرغم من قساوتها المفرطة في العديد من الولايات والتعامل المغلظ مع المحكومين، لم تكن رادعا كافيا لتقويم سلوك من أنهى محكوميته، بل وتحولت السجون إلى منظمات إرهابية تغذي الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة وارتفاع معدلاتها، وهذه قضية يطول شرحها لأن الدراسات تشعبت في الأسباب، برغم أنه من الواضح أن الأسباب في إطارها العام تعود إلى فقدان الأمل وارتفاع حالات الاكتئاب في السجون الأمريكية وعدم وجود برامج عملية للإصلاح.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع «البيت العائلي» الذي شرعت عدد من إدارات السجون في المملكة بتطبيقه يعد توجها راقيا ويرتقي للمفهوم الحقيقي للإصلاحيات، وتجربة سنجني ثمارها على المدى البعيد، وتجنبنا ويلات التجربة الأمريكية السلبية التي حدت وقلصت من البيوت العائلية بدلا من التوسع فيها، وأفضت عواقبها إلى تكدس السجون الأمريكية بأكثر من 2.4 مليون سجين، بما يعادل ربع سجناء العالم، وهذه النسبة ارتفعت بمعدل 120% خلال العشر سنوات الماضية.
ولذلك.. نشكر الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية والمسؤولون في إدارات السجون بالمملكة على تقديم مثل هذا المشروع المبارك، بالرغم من تكلفته المرتفعة إلا أن الهدف منه أرقى وأسمى، وسيكون قريبا نموذجا مشرقا في تطبيق مفهوم «الإصلاحية» وليس «السجن»، لأن السجون لا يجب أن تكون قبورا للأحياء بقدر ما تكون بارقة أمل للعودة إلى الطريق الصحيح.