يتميز سوق القيصرية في محافظة الأحساء بملامحه الفريدة وتشكيله الخاص ونكهته العبقة بالصناعات والحرف التقليدية لتنبعث في فضاء من يعبره، حيث يرتاده كبار السن بحثا عن قطعة أو سلعة تعود به إلى أزمنة غابرة، وتستثير الذاكرة بما تختزنه من ذكريات، بما أن «الذكريات صدى الزمان الحاكي»، فيما لا تغيب عنه النساء بيعا وشراء، وهذا النوع من الأسواق انتشر في مصر، الشام، العراق، فلسطين، تركيا، إذ يرتبط بالحواضر الأكثر تمدنا وانفتاحا على الآخر، كما عرفت المجتمعات البشرية القيصاريات منذ العصر الروماني خلال عهد القيصر أغسطس قيصر سنة (63 ق.م)، وأسست لخدمة التجار والحرفيين والصناع والمهنيين باعتبارهم ركائز في تنمية الاقتصاد التقليدي غير الريعي.
وفي العصور الإسلامية كانت أبرز المدن العربية القديمة تخصص مكانا لباعة المشغولات والمصنوعات اليدوية منها مدينة القيروان في تونس، وفي القاهرة اطلقوا على القيصارية اسم (الخان الصغير)، الذي يحوي معامل ودكاكين تضم ورشات عمل صغيرة منذ العصر العباسي.
وبما للأحساء من تاريخ عريق نجحت في الحفاظ على السوق من خلال (الحفيز) حاضن المهن، وبيت خبرة التجار وملتقى الأدباء الذين يطيب لهم الجلوس في دكاكين المنسوجات، وصناعة البشوت والمشالح، والسيوف والخناجر، والنحاسيات، والجلديات، صياغة الذهب، سبك المعادن، محلات العطارة، صناعة العطور، الزل والفرش، التمور، ويفتحون حوارات ويقدمون مساجلات شعرية على مرأى ومسمع من الباعة والمتبضعين والزوار.
وقفت «عكاظ» على السوق الذي انطلقت منه نخبة من تجار المملكة والمنطقة الشرقية تحديدا ممن نجحوا في توسيع دائرة نشاطهم، ولاحظت عدم تخلى الحرفيين عن اصطحاب الأبناء والأحفاد لتعليمهم أسرار المهنة وتأصيل حب العمل، وتوريث الحرفة حتى لا تندثر.
يقع سوق القيصرية في وسط الهفوف القديمة في حي الرفعة مقابل أسوار فريق الكوت على مساحة 15 ألف متر مربع، ويضم 420 محلا، منها 171 متجرا أقامته أمانة الأحساء، والبقية ملكيات خاصة، فيما تنقسم القيصارية إلى مسار يمتد بين شارعي الخبازين والحدادين، وثان يخترق شارع الحدادين وسوق الحريم أو البدو، وتعد القيصارية أكبر سوق شعبية مسقوفة في المملكة، وتمثل السوق مركزا للتبادل التجاري بين الأحساء وبقية المناطق التي تجاورها في الخليج والجزيرة العربية، وعادة ما كان التجار يصلون إلى هذه السوق من أجل التزود ببضاعة ما، أو الترويج لبضاعة أخرى، أما المسافرون الذين يقصدون الأحساء، فكانت هذه السوق محطة هامة يتوقفون فيها من أجل التسوق والتعرف على مظاهر التراث العمراني هناك.
ويروي الباحث في التراث العمراني المهندس عبدالله الشايب الباحث في التراث العمراني، أن القيصرية شكّلت إرثا اجتماعيا بتوارث الباعة والحرفيين فيها، وأعطت نموذجا للتواصل الاجتماعي عن طريق التقارب وتوفر المهن والتخصصات المختلفة في مكان واحد يعطي كثافة واستمرارية اجتماعية، ويؤكد أن السوق كانت قائمة منذ القرن التاسع عشر لذكر الرحالة لها في مذكراتهم، لافتا إلى أن البناء كان يعتمد على الحجر الجيري والطين وعوارض من جذوع النخل أو خشب شجر الجندل عليها حصيرة سعف النخيل، تعلوها طبقة طينية تطلى الواجهة بالجص.
يضم 420 محلا على مساحة 15 ألف م2
«قيصرية الأحساء» يحتفظ بذاكرة التجارة الحرفية
5 ديسمبر 2015 - 20:51
|
آخر تحديث 5 ديسمبر 2015 - 20:51
«قيصرية الأحساء» يحتفظ بذاكرة التجارة الحرفية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
علي الرباعي ( الأحساء)