الكثير من الآباء والأمهات، لا يضعون القدر الكافي من الثقة في بناتهم، بل إن بعضهم لا يضع فيهن أية ثقة، لذا تصبح كل كلماتهن وحركاتهن موضع شك، بعض الناس يفعل ذلك بسبب تفكير خاطيء يستند إلى قواعد قديمة ورثها أولئك البعض من عصور عتيقة وقواعد بالية، وبعضهم يفعله استنادا إلى ما يراه اليوم ويسمعه ممن حوله، فيما يكون بعض آخر منهم «معقد خِلقة»، أي أنه متحفز وقلق وشكاك بطبعه أيا كانت الظروف، لذا نجد من حولنا صورا مقيتة تقع ضحيتها البنات البريئات اللاتي يقبلن على الحياة بروح منطلقة فلا يجنين إلا الخوف والمعاناة. البنت في البيوت التي تحوي واحدا من تلك النوعيات من الآباء أو الأمهات تكون تحركاتها مراقبة، وكلماتها محسوبة، وتصرفاتها عموما مدعاة للشك فيها بشكل أو بآخر ،، أشياؤها الشخصية أيضا عرضة للانتهاك سواء بعلمها أو بدون علمها، فأية ثقة نستطيع بناءها داخل البنت وأية شخصية!! كيف تكون ردة فعل بنت تُعامل على ذلك النحو؟ لا أعتقد أن ردة الفعل تلك ستتجاوز أحد حالين، فإما غضب أهوج قد يقود إلى الانتقام بالإقدام على الخطأ حتى لو لم تتوفر الرغبة فيه، وإما انعدام للثقة في النفس يضعف الشخصية ويدعو للخنوع مما ينعكس على الحياة المقبلة ويدمرها، صحيح أن بعض البنات لا يكترثن لتلك التصرفات ولا يبدين حيالها أية ردة فعل لكن القهر داخل النفوس الغضة سيكون له أكبر الأثر على مسيرة حياة الواحدة منهن مهما أظهرت من قلة الاهتمام، إضافة إلى أن علاقتها بأسرتها لن تقوم على الأساس السليم الذي يستند إلى الحب والاحترام المتبادل، وأعتقد أنه شتان ما بين شخصية سوية متزنة تحترم نفسها ومن حولها، وشخصية مهزوزة تفتقد الثقة بالنفس وبالآخرين.. ثم إن هناك أمراً آخر مهماً وهو الكيفية التي ستربي بها هذه النوعية بالذات أبناءها وبناتها في قادم الأيام، إذ كيف ستعلمهم معنى الكرامة وعزة النفس وكيف ستبني شخصياتهم وتزرع داخلها أسس الثقة والاحترام وهي نفسها تفتقد لتلك المقومات؟؟
صحيح أن هناك بنات يسئن استغلال الثقة الممنوحة لهن من أسرهن، لكنني أتصور دائما أهمية البحث عن الأسباب عند الأهل أنفسهم، ولو أن هذا لا يمنع من القول بوجود استثناءات، لذا نظل بحاجة إلى دراسة الأوضاع والبحث عن الأسباب حتى لو استدعى الأمر الاستعانة بأهل العلم والخبرة عند فشل الأسرة في التوصل إلى التصحيح المطلوب.
إن الشك في البنات لم يعد وقفا على البيوت وحدها، بل أصبح ممتدا في المدارس أيضا خاصة الحكومية التي تشكل أغلب المدارس التي تحتوي أكبر عدد من البنات، لذا نراهن في الكثير من المدارس يتعرضن لعمليات تفتيش سرية وعلنية تشمل حقائبهن وأدراجهن بل وحتى جيوب زيهن المدرسي وداخل الأحذية والجوارب، فهل يعقل هذا؟ المشكلة أن من يفعل ذلك هم النساء أنفسهن من معلمات وإداريات ومديرات فلماذا كل هذا الحقد وسوء الظن؟ أنا لا أقول اتركوا الحبل على الغارب ولا أقول لا تحاسبوا ولا تعاقبوا، لكنني أطمع في تعامل راق مبني على أسس سليمة يقدم لنا شخصيات سوية يؤسس لها البيت أولا بالحب والاحترام والثقة والتوجيه الصريح الإيجابي، ثم تقوم المدرسة بالدور المكمل من خلال الحوار الهادف والنصح الراقي والتفاهم المحمود.
البنت ليست مجرمة لنستخدم معها هذه الأساليب الممجوجة، لكننا سنحولها إلى ذلك حين نتصرف معها بشكل سلبي يدفعها إلى الغلط ويمضي بنا وبها إلى حيث لا ينفع الندم بأي حال، وحتى لا يعتقد البعض أني أبالغ في ما أقول أشير إلى أن بعض الأمهات يتجاوزن الحد في شكوكهن لدرجة أن إحداهن تظل قلقة قبل حلول مواعيد الدورة الشهرية لبناتها وتظل تنظر لكل واحدة منهن بعين الشك والريبة وأحيانا تلومهن صراحة حتى يبرئهن الله، يحدث ذلك بالرغم من أنها من الأمهات الحريصات المتابعات والمهتمات، فأية ثقة نتحدث عنها بالله عليكم وأي احترام!!
ص. ب. 30550 جدة 21487
E_Halawani@hotmail.com