نعمة الإبصار مثلها مثل كثير من النعم لا يشعر الإنسان بحجمها وعظمتها إلا بعد الحرمان منها، والشعراء وعلماء اللغة ليسوا استثناء، فهم غافلون عن التمتع بتلك النعمة غير مدركين قيمتها، لذلك حين يتحدثون عن العيون لا يذكرون سوى جمال العيون ودلالات النظرات، وفتك اللحظ، فينشغلون بأمور ثانوية ويغفلون عن الوظيفة الأساسية للعين وظيفة الإبصار.
ولأهمية العين استعير اسمها ليطلق على ما يكون هو الأهم أو الأفضل، فقيل (عين الشمس) كناية عن الوضوح و(عين العقل) كناية عن حسن التفكير أو التصرف، و(عين نافذة) بصيرة، و(عيون الكلام) و(عيون الشعر) بمعنى أجوده، و(عين القوم) كناية عن الأهمية، ومنها (أعيان البلد) السادة والبارزون فيها.
لعل أهم دور تقوم به العين بعد الإبصار، كشفها عما في ذات الإنسان من خفايا، فالعين مرآة تعكس ما في نفس صاحبها مهما حاول إخفاء مشاعره وعدم إظهار حقيقة ما تنطوي عليه نفسه، فمن خلال نظرة العين يمكنك أن تعرف حقيقة ما يكنه لك محدثك من حب أو كراهية أو كذب ومراوغة، كالذي يقول:
عينـاك قـد دلتا عيني منـك علـى
أشياء، لولاهما ما كنت أدريهـا
تظل فـي نفسك البغضاء كـامـنة
والقلب يضمرها والعين تبديهـا
والعين تعرف من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
والمدعون لعلم الفراسة يزعمون أن ليست النظرة وحدها التي تفضح ما في النفس، فأحيانا شكل العين أو لونها يقوم بمثل هذا الدور، فيقولون إن العيون الجاحظة تكشف عن الوقاحة والجهل، والعيون الصغيرة الزرقاء، تخفي وراءها احتيالا وخبثا وحسدا، والعيون الواسعة كعيون البقر تنبئ عن الحماقة، وغير ذلك مما يزعمه مدعو علم الفراسة، مما لا توجد قاعدة علمية تؤكد صحته وصدق ما يدعيه.
وليس المهتمون بعلم الفراسة وحدهم الذين توغلوا في وصف العين وارتباطها بالشخصية أو الطباع، فالشعراء وعلماء اللغة هم أيضا فعلوا مثلهم، فتوسعوا في ذكر العيون والجفون والأهداب، وتفننوا في وصفها وعددوا أسماءها ما بين حور وكحل ووطف ودعج وبَرَج وزجَج وبَلَج، وجعلوا للنظرات دلالات وتشبيهات فقالوا (نظرة ثعلب) للتعبير عن المكر والخداع، و(نظرة كالسهم) عند وقوع الحب من أول نظرة، (أواه إن هي أعرضت وإن هي نظرت،، وقع السهام ونزعهن أليم)
وكما أن العين تصاب بآفات عضوية تبتلى بها فتؤثر على سلامة رؤيتها، فإنها أيضا تصاب بآفات معنوية لا تقل أذى وخطورة عن الآفات العضوية، ومن أشد آفاتها أن تبتلى بالنظر المحرم، فهذه الآفة مهلكة لكل من يظل يقلب نظره في الحسان:
والمرء ما دام ذا عينٍ يقلبها،،، في أعين الغيد، موقوف على الخطر