عادت الصين إلى استيراد السائل المنوي للثيران من كبار المنتجين العالميين، في خطوة تستهدف تطوير السلالات المحلية من الأبقار، وزيادة إنتاج اللحوم والألبان، وتحسين جودة المنتجات الحيوانية، بعد سنوات من القيود التي عطّلت تجارة الجينات الحيوانية مع عدد من الدول الرئيسية.

وتتصدر أستراليا وكندا موجة استئناف الإمدادات إلى السوق الصينية، فيما قد تحصل الولايات المتحدة وبريطانيا على الموافقات اللازمة لاستئناف التصدير قريباً، وفقاً لتقارير صينية.

وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي بكين لرفع كفاءة قطعان الماشية المحلية، وتعزيز إنتاج اللحوم والألبان، وتقليص فاتورة الواردات الغذائية المتزايدة، عبر الاستفادة من السلالات العالمية التي تتميز بسرعة النمو وجودة اللحوم وارتفاع إنتاج الحليب.

«أفضل 10%» شرط لدخول السوق الصينية

وفرضت الصين معايير جودة مشددة على واردات السائل المنوي للثيران، بحيث تقتصر على أفضل 10% من الثيران في الدولة المنتجة، ويعكس هذا الشرط توجه بكين نحو استيراد المواد الوراثية الأعلى جودة، بعدما أظهرت سنوات من القيود التجارية فجوة بين قدرات السلالات المحلية ونظيراتها المتقدمة في دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا.

ووصلت أول شحنة أسترالية في إطار استئناف التجارة خلال أبريل، فيما تخضع الشحنات الجديدة لعمليات تدقيق وفحص قد تستغرق أكثر من أربعة أشهر، للتحقق من مطابقتها للمعايير الصينية.

فجوة الإنتاج تدفع الصين إلى استيراد الجينات

وتبرز الفجوة الإنتاجية بين الصين والولايات المتحدة أحد الأسباب الرئيسية وراء توجه بكين إلى استيراد السلالات المتقدمة.

وبحسب بيانات وزارة الزراعة الأمريكية، يبلغ وزن ذبائح الأبقار المخصصة للحوم في الصين نحو 150 كيلوغراماً، مقابل قرابة 400 كيلوغرام في الولايات المتحدة، كما يقل إنتاج الأبقار الحلوب الصينية عن نظيره لدى القطيع الأمريكي.

ولا تقتصر فوائد تحسين الجينات على زيادة الأوزان وكميات الحليب، بل تشمل أيضاً تحسين مذاق اللحوم ودرجة توزيع الدهون داخلها، ورفع جودة الحليب، وتسريع النمو، وتقليل استهلاك الأعلاف.

وتزداد أهمية هذه الخصائص مع تغير أنماط الاستهلاك في الصين، حيث يتجه قطاع متنامٍ من الطبقة المتوسطة إلى تفضيل اللحوم الفاخرة، خصوصاً أنغوس وواجيو، بدلاً من القطع الأكثر صلابة التي تُستخدم تقليدياً في أطباق الطهي البطيء.

ووفقاً للبيانات الرسمية الصينية، استهلك الصينيون في عام 2024 نحو ضعف كمية لحوم الأبقار التي استهلكوها قبل عقد، إلى جانب زيادة استهلاك منتجات الألبان بنسبة 30% خلال الفترة نفسها.

كما ارتفعت واردات الصين من لحوم الأبقار ومنتجات مثل القشدة والجبن والزبدة إلى ما يتراوح بين 25 و30 مليار دولار سنوياً، ما يعزز أهمية تطوير الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية.

سنوات من القيود أضعفت إمدادات الجينات

وكانت الصين قد شددت القيود على واردات الحيوانات الحية والسائل المنوي والأجنة الحيوانية من دول مختلفة خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2025، في سياق شهد خلافات تجارية وتوترات سياسية مع عدد من شركائها، من بينهم الولايات المتحدة وأستراليا وكندا.

وأدى تعطل الإمدادات إلى زيادة الضغوط على الموردين والمربين المحليين، فيما لجأ بعض المنتجين الصينيين، وفقاً لمصادر في القطاع، إلى تهريب السائل المنوي للثيران أو الحيوانات الحية عبر دول مجاورة، بينها منغوليا وكازاخستان وفيتنام.

وكانت الصين قد أعلنت عام 2021 أن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الجينات الحيوانية يمثل أولوية للأمن القومي، وحددت تربية الأبقار باعتبارها إحدى نقاط الضعف الرئيسية في قطاعها الزراعي.

ورغم استثمارات حكومية بملايين الدولارات في مراكز التربية المحلية، لا تزال الشركات والمزارع الصينية الكبرى تبحث عن جينات أكثر تقدماً لتحسين أداء قطعانها.

أستراليا وكندا تستأنفان التصدير

وتشير بيانات الجمارك الصينية إلى أن واردات السائل المنوي للثيران من أستراليا وكندا بلغت، حتى نهاية أغسطس، نحو 700 ألف دولار.

ورغم استئناف التجارة، تظل الكميات محدودة مقارنة بمستويات ما قبل القيود، حين كانت الصين تستورد نحو 10 ملايين قشة سنوياً.

وتتوقع شركة «إيه بي إس غلوبال» الأسترالية شحن نحو 200 ألف قشة خلال العام المقبل، تشمل مواد وراثية من ثيران سلالات أنغوس وواجيو وهولشتاين وجيرسي، وهو حجم يفوق إجمالي شحناتها إلى جميع الأسواق الأخرى مجتمعة، بحسب الشركة.

كما تعتزم الشركة إضافة ثورين أو ثلاثة من سلالة أنغوس إلى برنامج التوريد المخصص للصين، في ظل توقعات بنمو الطلب على الجينات عالية الجودة.

ويبرز الثور الأسترالي «يوتوبيا» نموذجاً لهذه التجارة، إذ يُجمع سائله المنوي مرتين أسبوعياً، ثم يُجمّد في النيتروجين السائل ويُقسّم إلى قشّات بلاستيكية، تحتوي كل منها على ملايين الحيوانات المنوية، وتُستخدم في عملية تلقيح واحدة.

وبحسب الشركة، سيُستخدم جزء كبير من هذه الإمدادات في تلقيح أبقار حلوب صينية، بهدف إنتاج نسل يتمتع بقدرات أفضل على إنتاج اللحوم، إلى جانب تحسين الخصائص الإنتاجية للقطعان.

الولايات المتحدة مرشحة لقيادة الإمدادات

ورغم عودة الموردين الأستراليين والكنديين، تتوقع شركات عاملة في القطاع أن تصبح الولايات المتحدة المورد الرئيسي للصين إذا استؤنفت التجارة بين البلدين بصورة طبيعية.

وتستحوذ الولايات المتحدة على نحو 55% من تجارة السائل المنوي للثيران عالمياً، التي تُقدّر قيمتها بنحو نصف مليار دولار سنوياً، وفقاً للمشاركين في القطاع.

لكن استعادة تدفقات التجارة بالكامل ستظل مرتبطة بالموافقات التنظيمية والفحوص الفنية، في ظل تمسك بكين بالمعايير التي تشترط أن تكون الجينات المستوردة ضمن أفضل 10% من الثيران في بلدان المنشأ.

وفي المقابل، تواجه الشركات المصدرة تحدياً يتمثل في تلبية الطلب الصيني المتزايد، مع الحفاظ على تفوقها الوراثي عبر تطوير أجيال جديدة من الثيران ذات الخصائص الإنتاجية الأفضل.

من الاستيراد إلى التصدير

لا تقتصر أهداف الصين على تحسين إنتاج الماشية في المدى القريب، بل تسعى على المدى الطويل إلى تطوير قدرات محلية تنافس أفضل السلالات العالمية، والتحول تدريجياً من مستورد للجينات الحيوانية إلى مصدر لها.

غير أن هذا الهدف يواجه تحديات تتعلق بسرعة التطور الوراثي لدى الدول المنافسة، والحاجة إلى استثمارات مستمرة في البحث والتربية والانتقاء الجيني.

وتكشف عودة الصين إلى سوق جينات الماشية عن توجه متزايد نحو استخدام التكنولوجيا الحيوية لتحسين كفاءة الإنتاج الزراعي، في وقت تسعى فيه بكين إلى تلبية الطلب المتنامي على اللحوم والألبان، وتعزيز الأمن الغذائي، والحد من الاعتماد على الواردات.

ومع استئناف الشحنات وتشديد معايير الجودة، تبدو سوق السائل المنوي للثيران مرشحة لمزيد من النمو، مدفوعة بمساعي الصين لتطوير قطاع الثروة الحيوانية ورفع إنتاجيته إلى مستويات أقرب لما تحققه الدول الرائدة عالمياً.