تحولت ليلة هادئة في لحظات إلى كابوس مظلم في منطقة أراوكانيا (على بعد 640 كيلومتراً جنوب العاصمة التشيلية سانتياغو)، لتستيقظ المنطقة على صرخات استغاثة تعلو فوق ألسنة النيران العاتية. الجحيم لم يندلع في منشأة عسكرية أو مصنع، بل تصاعد من قلب دار رعاية مخصصة لمن لا يملكون حيلة للهرب أو الحركة.
وفي غضون دقائق معدودة، التهمت النيران المكان بالكامل، لتسفر الكارثة عن مأساة لحقت بـ 26 ضحية، حيث لقي 16 مسناً حتفهم تفحماً، بينما أصيب 10 آخرون بحروق بالغة، في واحدة من أسوأ الفواجع التي هزت البلاد.
وهرعت فرق الإطفاء والإنقاذ إلى موقع الدار في محاولة يائسة للسيطرة على الحريق الذي حاصر أجساد كبار السن داخل غرفهم. وبعد معركة ضارية مع ألسنة اللهب، تمكن الأطفائيون من إخماد الحريق، لتتحول المساحة الآمنة إلى ساحة تفوح منها رائحة الرماد والموت.
وفرضت الشرطة طوقاً أمنياً مشدداً حول الموقع، بينما واصلت فرق الإزالة رفع الأنقاض وسط غموض تام يحيط بأسباب اندلاع الحريق. وفتحت السلطات المختصة تحقيقاً عاجلاً وفورياً لفك شفرة الحادثة، وتحديد المصدر الفعلي للشرارة الأولى، مع العمل على تقصي كافة الخيوط لاستبعاد أو إثبات وجود أي شبهة جنائية تقف خلف هذا الجحيم.
ومع بدء التحقيقات، فجرت السلطات الصحية مفاجأة مدوية أضفت المزيد من الغموض والريبة حول الكارثة، إذ كشفت التقارير الرسمية أن دار الرعاية المنكوبة لم تكن بعيدة عن التجاوزات والقضايا المظلمة:
- مخالفات تشغيلية سابقة: الدار كانت ترتكب تجاوزات إدارية وفنية خطيرة.
- إجراءات وغرامات: فرضت السلطات عقوبات مالية وإدارية بحق الدار منذ سنوات.
هذا الكشف وضع علامات استفهام كبرى حول مدى الالتزام بمعايير السلامة والأمان، وهل كان يمكن تفادي هذه الفاجعة أم أن الإهمال المتراكم هو من فتح الباب أمام ألسنة اللهب؟
وأثارت الحادثة موجة غضب عارمة، ما دفع الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست للخروج ببيان حاسم، مشدداً على ضرورة فتح تحقيق شامل لكشف كل التفاصيل والمسؤولين عن الفاجعة. كما أصدر أوامر فورية باتخاذ «تدابير عاجلة» لمراجعة أوضاع وتجهيزات دور رعاية المسنين في كافة أنحاء تشيلي، لضمان عدم تكرار مثل هذه المأساة التي كشفت ثغرات قاتلة في ملف حماية كبار السن. فهل ستكشف التحقيقات عن خطأ فني قاتل أم أن خلف الدخان جريمة غامضة؟