في الوقت الذي تبحر فيه مركبات الفضاء نحو المريخ وتحيط الأقمار الصناعية بكل شبر على سطح الأرض، توجد بقعة واحدة جغرافية محرمة ومغلقة تماماً بقوة القانون والحديد.. إنها جزيرة «نورث سينتينل»، حيث يعيش أخطر البشر وأكثرهم عزلة على وجه الكوكب، بشر لا يملكون الهواتف ولا يعرفون الإنترنت، لكنهم يمتلكون سلاحاً واحداً قاتلاً لكل من يقترب: «السهام الموجهة للقلب».

بينما يهرول العالم نحو العولمة والاتصال الدائم، اختارت مجموعات بشرية نادرة (تُقدر منظمة «سيرفايفل إنترناشيونال» أعدادها بنحو 196 مجموعة حول العالم)، أن تدير ظهرها تماماً للحضارة الحديثة. وهؤلاء ليسوا أشباحاً أو شخصيات سينمائية، بل بشر حقيقيون يفضلون الموت في أعماق الغابات والعزلة على أن يتواصلوا مع عالمنا المليء بالأوبئة والتاريخ الدموي.

طائفة الموت على جزيرة المحرمات

في أقصى المحيط الهندي، تحديداً ضمن جزر أندامان ونيكوبار التابعة للهند، يعيش شعب السينتينليز الذين يُعدون رمزاً حياً للرفض المطلق لكل ما هو خارج جزيرتهم. لا أحد يعلم حتى الاسم الحقيقي الذي يطلقونه على أنفسهم، وتراوح أعدادهم بين 50 إلى 150 فرداً فقط، يعتمدون كلياً على الصيد البدائي وجمع الثمار.

لكن ما يجعل هذه الجزيرة مرعبة بحق هو رد فعل سكانها الفوري تجاه أي زائر، فأي طائرة هليكوبتر تحلق على ارتفاع منخفض، أو أي قارب يجرؤ على كسر الحاجز البحري، يُقابل بوابل من السهام المصنوعة بدقة والتي لا تعرف سوى لغة واحدة: الموت الفوري. ولهذا السبب، فرضت الحكومة الهندية طوقاً أمنياً حديدياً وحظراً صارماً يقضي بعدم الاقتراب من الجزيرة لمسافة لا تقل عن 5 كيلومترات، حمايةً للزوار من غضب السكان، وحمايةً للسكان أنفسهم من أي جرثومة عادية قد تبيد مجتمعهم بالكامل لعدم امتلاكهم أي مناعة بيولوجية.

عندما تصبح «آثار الأقدام» جريمة

ولا تقتصر قصة الهروب من التاريخ على جزيرة السينتينليز وحدها، ففي أعماق غابات الأمازون في بيرو، يعيش شعب كاكاتايبو في غموض مطبق. ويروي علماء الأنثروبولوجيا أن أفراد هذه المجموعة يمتلكون مهارة مرعبة في الاختفاء، إذ يتعمدون محو آثار أقدامهم بالتراب خطوة بخطوة أثناء تنقلاتهم، لضمان عدم تتبعهم من قبل أبناء القبائل الأخرى أو المستكشفين، معتبرين أن مجرد ترك أثر وراءهم يمثل خطراً يهدد بقاءهم.

وغير بعيد عنهم، يبرز شعب ماشكو في بيرو كأكبر مجموعة بشرية غير متصلة في العالم بأكثر من 750 فرداً. وهؤلاء لم يختاروا العزلة جهلاً، بل وعياً وثأراً من التاريخ الدموي لـ«طفرة المطاط» في القرن التاسع عشر، حين تعرض أجدادهم للاستعباد والعنف المفرط على يد العالم الخارجي، ففضلوا الهروب الأبدي إلى أحضان الغابات العميقة.

مَن يهرب مِن الآخر؟

تثبت هذه القصص أن العزلة الطوعية ليست خللاً عقلياً أو جهلاً بالمدنية، بل هي استراتيجية بقاء ذكية وموجعة، ناتجة عن تجارب تاريخية قاسية شهدت فيها شعوب كاملة اندثارها بسبب أمراض ومستعمري العالم «المتحضر».

وعندما نتأمل هذا العزل المحكم، والسهام الموجهة، والخطوات الممحوة على التراب، يتردد صداً عميقاً لسؤال واحد يطرحه هؤلاء الصامدون في وجه كوكبنا المتهور: لماذا يفترض العالم أصلاً أننا نريد أن نعرفه؟