في الأزقة المظلمة لملفات التزوير، لا شيء يبقى طويلاً تحت الستار. قد يمر عام، أو عقد، أو حتى عقود، لكن لحظة شجاعة واحدة من فحص مخبري بسيط كفيلة بأن تهدم إمبراطوريات شُيدت على الوهم والنسب المستعار.

تبدأ الحكاية من ملف جنسية قديم في الكويت تحمل أوراقه أرقاماً ودلالات عادية للوهلة الأولى: صاحب الملف مسجل باسمه 10 أبناء. ثمانية منهم موزّعون بانتظام على أربع زوجات، أما الاثنان الأخيران فكانا لغزاً بحد ذاته، إذ كُتبا على الملف دون ذِكر اسم الأم، في لفتة غامضة فتحت أبواب الشك التي لم تُغلق حتى اليوم.

ومع وضع الملف تحت مجهر البحث، بدأت الخيوط الأولى بالتفكك. كشفت التحقيقات السابقة أن ستة أبناء فقط ينتمون دماً ونسباً لصاحب الملف. بينما كان اثنان آخران مجرد غريبين جرى إقحامهما بالتزوير، وسُحبت الجنسية منهما ومن تبعياتهما بالكامل في خطوة سابقة طالت 232 شخصاً. لكن السؤال الذي ظل معلقاً في أروقة مباحث الجنسية في الكويت: ما قصة «الابنين بلا أم»؟

رجل واحد ببطاقتين في دولتين

اتجهت أعين التحقيق نحو أحد هذين الابنين، وهو رجل رحل عن عالمنا، لكن أثره التزويري بقي ممتداً. وقادت التحريات الدقيقة رجال المباحث إلى مفاجأة مدوية، مفادها أن هذا «الابن» المعني يملك هويتين متطابقتين بالكامل في الكويت ودولة خليجية أخرى.

تطابق اسماه وأسماء أبنائه بين الملفين حرفياً، وكأن العائلة تعيش حياتين وتتنفس برئتين في بلدين. بل إن التحريات نبشت واقعة يعود تاريخها لعام 2009، عندما تقدم أحد أبنائه بطلب رسمي للتنازل عن هويته الخليجية، في محاولة مناورة للتغطية على ازدواجيتهم وتثبيت موطئ قدمهم في الكويت.

لأن الابن المزيف متوفى، اصطدمت التحقيقات بجدار عدم إمكانية أخذ عينة DNA مباشرة منه. لكن الذكاء الأمني أوجد المخرج: وجرى استدعاء أبنائه الجدد (بمن فيهم ذلك الابن الذي حاول التنازل عن جنسيته السابقة) وأُخذت منهم عينات البصمة الوراثية.

ووضِعت نتائج الفحص المخبري لأبناء الرجل المتوفى في مواجهة جينات «أعمامهم المفترضين» الذين يعتبرون الأبناء الحقيقيين لصاحب الملف الأصلي. وهنا، قالت الجينات كلمتها الفصل ونسفت ادعاء النسب نهائياً: فلا توجد قطرة دم واحدة تشد هؤلاء الأبناء إلى أولئك الأعمام!

سقوط 344 هوية في ليلة واحدة

بتكامل الحقيقة الرقمية من الفحص الجيني مع الوثائق المزدوجة المكتشفة عبر الحدود، أصدرت اللجنة العليا لتحقيق الجنسية في الكويت قرارها التاريخي: بسحب الجنسية الكويتية من «الابن المزيف» المتوفى، وسحبها بالتبعية من جميع المسجلين على ملفه البالغ عددهم 344 شخصاً.

وبهذه اللمسة العلمية الحاسمة، طويت صفحة أكبر «فرع وهمي» في شجرة العائلة المزيفة، لتسقط معها مئات الهويات المزدوجة، فيما تواصل السلطات دراسة ملف الابن الأخير المتبقي (الذي ما زال مسجلاً بلا أم) لتكتمل بذلك فصول قضية أثبتت أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها تأتي دائماً برداء العلم والعدالة.