في قلب مجمع سكني هادئ وشارع راقٍ بمدينة السادس من أكتوبر، لم يكن جيران الفيلا الفاخرة يتخيلون أن الأسوار العالية تخفي خلفها واحداً من أعقد التشكيلات العصابية الدولية، وأكبر معمل سري لتصنيع مخدر «الآيس» الفتاك في مصر، بأيدي شبكة أجنبية خطيرة أدارت عملياتها بعقلية برمجية وتنظيم عسكري صارم.

ورغم التخطيط المعقد وشحنات السموم الضخمة التي تجاوزت 735 كيلوجراماً، إلا أن أوراق قضية «عصابة إيفان الأوكرانية» شهدت مفاجأة مدوية في ساحة محكمة جنايات الجيزة، بعدما أنقذت «المادة 17» من قانون العقوبات رقاب 6 متهمين أوروبيين من الإعدام لتتحول العقوبة إلى السجن المؤبد وغرامة نصف مليون جنيه لكل منهم، نظراً لعدم إجماع الآراء على عقوبة الإعدام.

لم تسقط هذه الإمبراطورية بضربة أمنية مسبقة، بل كانت «شرارة حريق مباغتة» هي الخيط الذي أطاح بالشبكة الدولية! ففي مساء يوم 22 أبريل، اندلعت نيران محدودة في الطابق العلوي للفيلا، لتتصاعد الأدخنة وتستدعي تدخل رجال الحماية المدنية والنيابة العامة. وما إن دخلت القوات لإخماد الحريق، حتى صُدم الجميع بالمشهد: فالفيلا لم تكن مقراً للسكن، بل «معملاً كيماوياً متطوراً» يمتلئ بمطاحن حديدية، وخلاطات، وأوعية فصل، ومكابس، إلى جانب أطنان من المواد الخام المسحوقة!

وكشفت الحيثيات طريقة عمل شبكة «إيفان» التي تجاوزت حدود العقل في التمويه:

  • الاستخلاص العبجري: جلب كميات مهولة من أقراص علاج البرد الشهيرة (ديكانست إس آر) لطحنها واستخلاص مادة «السودوإيفيدرين» الفعالة، وتحويلها إلى مخدر الميثامفيتامين (الآيس).
  • التمويه الصناعي: تفريغ عبوات منتجات غذائية تجارية وإعادة تعبئتها بالمخدر، ثم غلقها بآلات صناعية متطورة تحاكي التغليف الأصلي للمصانع، لتضليل أجهزة الفحص في المطارات.
  • لعبة التليجرام والمواقع المجهولة: تجنيد فتيات التشكيل لنقل الحقائب إلى العاصمة الإيطالية ميلانو، وإيداعها في محطات الحافلات بناءً على «إحداثيات جغرافية» تُرسل عبر تطبيق تليجرام، دون الالتقاء بأي شخص، مقابل 1000 دولار أمريكي عن كل حقيبة.

وفندت المحكمة ادعاء إحدى المتهمات بجهلها بمحتوى الحقائب، مؤكدة أن تقاضي 1000 دولار لنقل عبوات غذائية وأسلوب التسليم السري عبر «التليجرام» يقطعان بعلمها اليقيني بالنشاط الإجرامي، قائلة: «هذا المقابل السخي هو ثمن للمخاطرة لا ثمن لبضاعة مشروعة».

وفي المقابل، حملت طيات الحكم مفاجأة مدوية ببراءة المتهمين الرابع والثامن، حيث تبين أن المتهم الرابع (المعروف برجل البيتكوين) انحصر دوره في تداول العملات الرقمية وتحويل الأموال، ودون وجود دليل يقيني يثبت علمه بأن هذه الأموال هي حصيلة تجارة المخدرات، إعمالاً للمبدأ القضائي الراسخ: «الاتهام لا يبنى على الشك والتخمين والأصل في الإنسان البراءة».