حذرت السلطات الصحية في المملكة المتحدة من أن مقاومة المضادات الحيوية أصبحت تمثل أحد أخطر التهديدات الصحية التي تواجه البلاد، بعد تسجيل ما يقرب من 400 إصابة جديدة أسبوعياً بعدوى بكتيرية مقاومة للعلاج، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في أعداد الوفيات المرتبطة بها خلال العام الماضي.
وأظهرت بيانات جديدة نشرتها وكالة الأمن الصحي البريطانية أن 2024 شهد تسجيل نحو 20,484 حالة إصابة بعدوى بكتيرية مقاومة للمضادات الحيوية وصلت إلى مجرى الدم، مقارنة بـ18,740 حالة في 2023، بزيادة بلغت 9.3%.
كما ارتفع عدد الوفيات المرتبطة بهذه العدوى من 2,041 وفاة في 2023 إلى 2,379 وفاة في 2024، أي بزيادة 338 حالة وفاة خلال عام واحد، في مؤشر يسلط الضوء على تصاعد خطورة مقاومة المضادات الحيوية على الصحة العامة.
وكشف التقرير أن بكتيريا الإشريكية القولونية (E. coli)، التي تُعد من أكثر مسببات التهابات المسالك البولية شيوعاً، كانت مسؤولة عن نحو 65% من حالات عدوى مجرى الدم المقاومة للمضادات الحيوية خلال السنوات الست الماضية.
وقالت الرئيسة التنفيذية لوكالة الأمن الصحي البريطانية، البروفيسورة سوزان هوبكنز، إن مقاومة المضادات الحيوية تمثل «أحد أكبر التهديدات الصحية» التي تواجه المجتمع، مؤكدة أن أعداداً متزايدة من المرضى باتت تصاب بعدوى لا تستجيب للعلاجات التقليدية، ما يزيد من احتمالات الإصابة بمضاعفات خطيرة أو الوفاة، خاصة بين سكان المناطق الأكثر حرماناً.
وأضافت أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب ترشيد استخدام المضادات الحيوية، والاستثمار في تطوير علاجات جديدة، وتعزيز إجراءات الوقاية لمنع حدوث العدوى من الأساس، داعية المواطنين إلى عدم تناول المضادات الحيوية إلا بناءً على وصفة من مختص، وعدم الاحتفاظ بالكميات المتبقية أو مشاركتها مع الآخرين، مع ضرورة التخلص منها بطريقة آمنة عبر الصيدليات.
وأوضحت الوكالة أن البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية تقل استجابتها للعلاج، ما يزيد من خطر الإصابة بتسمم الدم والعدوى الشديدة التي تستدعي دخول المستشفى، كما ترتفع احتمالات الوفاة خلال الـ30 يوماً التالية للإصابة مقارنة بالمرضى الذين يعانون من عدوى قابلة للعلاج بالمضادات الحيوية.
ورغم تراجع استخدام المضادات الحيوية في خدمات الرعاية الأولية التابعة لهيئة الخدمات الصحية البريطانية، فإن التقرير أشار إلى ارتفاع ملحوظ في صرف المضادات الحيوية عبر القطاع الخاص، إذ تضاعفت تقريباً الوصفات المقدمة من الصيدليات الخاصة بين 2019 و2024، وهو ما أدى إلى زيادة طفيفة في إجمالي استهلاك المضادات الحيوية على مستوى الرعاية الأولية.
وأظهرت البيانات أن الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 45 عاماً يمثلون 90% من حالات العدوى المقاومة، فيما سُجلت نحو 46% من الإصابات بين من تجاوزوا 74 عاماً، وهو ما يعكس تزايد مخاطر الإصابة مع التقدم في العمر نتيجة الإصابة بأمراض مزمنة والخضوع لتدخلات طبية متكررة.
من جانبه، أكد وزير الدولة بوزارة الصحة البريطانية زبير أحمد، أن مقاومة مضادات الميكروبات تمثل أحد أخطر التحديات الصحية في المملكة المتحدة والعالم، مشدداً على أن الأرقام الجديدة تؤكد ضرورة استمرار الجهود الحكومية لمواجهة هذه الظاهرة.
بدوره، أوضح المدير الوطني السريري لشؤون العدوى ومقاومة مضادات الميكروبات في هيئة الخدمات الصحية البريطانية، البروفيسور مات إينادا كيم، أن الحد من انتشار العدوى يتطلب إستراتيجية متكاملة تشمل الوقاية، وتحسين الوعي بالاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، وتوفير اختبارات تشخيصية سريعة لضمان وصف المضادات الحيوية فقط للحالات التي تحتاجها بالفعل، إلى جانب دعم تطوير أدوية جديدة قادرة على مواجهة البكتيريا المقاومة.
كما أكدت المديرة التنفيذية المؤقتة للعلوم والأبحاث في وكالة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية الدكتورة نيكولا روز، أن الوكالة تعمل مع شركائها لدعم تطوير مضادات حيوية ولقاحات وتقنيات تشخيص حديثة، إضافة إلى تسريع الأبحاث المتعلقة بعلاجات مبتكرة مثل العلاج بالبكتيريا النافعة والعاثيات، مع تعزيز أنظمة المراقبة للكشف المبكر عن السلالات المقاومة.
وأشار التقرير أيضاً إلى اتساع الفجوة الصحية بين الفئات الاجتماعية، إذ تبين أن سكان المناطق الأكثر حرماناً معرضون للإصابة بعدوى مقاومة للمضادات الحيوية بنسبة تزيد بنحو 47% مقارنة بسكان المناطق الأقل حرماناً، بعدما كانت الفجوة لا تتجاوز 29% في 2019، وهو ما دفع السلطات الصحية إلى تكثيف جهودها لفهم أسباب هذا التفاوت ووضع برامج تستهدف الحد منه.
وتنفذ المملكة المتحدة حالياً خطة عمل وطنية تمتد بين 2024 و2029، تهدف إلى الحد من مقاومة المضادات الحيوية من خلال ترشيد استخدامها، وتعزيز الوقاية من العدوى، وتشجيع الابتكار في تطوير العلاجات الجديدة، في محاولة لاحتواء أحد أخطر التحديات الصحية التي تهدد العالم في السنوات القادمة.