لم تعد معارك الأمن السيبراني تدور حول الطرق التقليدية لاختراق كلمة مرور أو السيطرة على محفظة إلكترونية، فنحن أمام حقبة جديدة كلياً تتكاتف فيها قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي مع الطبيعة اللامركزية للبلوك تشين، لإنشاء شبكات هجوم خفية يستحيل تعقبها أو إغلاقها بالطرق المعتادة.
يوضح رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات الدكتور محمد محسن رمضان أن المخترقين انتقلوا من البحث عن «خوادم مركزية» يمكن للسلطات حجبها، إلى ابتكار قنوات اتصال بديلة وعصية على الإزالة داخل سلاسل البلوك تشين، عبر تقنية خطيرة تُعرف بـ«نقاط الإسقاط الميتة على البلوك تشين» (Blockchain Dead Drops).
تعتمد هذه التقنية على زرع تعليمات وأوامر البرمجيات الخبيثة داخل المعاملات أو العقود الذكية على شبكات البلوك تشين العامة. ولأن بيانات البلوك تشين غير قابلة للتعديل أو المسح، تبقى هذه الأوامر متوفرة لأجهزة المخترقين المصابة، حتى لو قامت الجهات الأمنية بإغلاق موقع المهاجم أو مصادرة سيرفراته.
وكشفت أرقام أحدث دراسة صريحة نشرتها شركة Chainalysis عن تسارع الكابوس، إذ ارتفعت معدلات كتابة الأوامر الخبيثة على البلوك تشين بنسبة 440% في أقل من عام، قادمة من مجموعات اختراق منظمة تدعمها دول مثل كوريا الشمالية وإيران. يرافق ذلك خطورة نماذج الذكاء الاصطناعي مفتوحة المصدر، التي أصبحت تتيح للمجرمين كتابة وتعديل الشفرات الخبيثة بسرعة فائقة ودون خضوع للرقابة.
لكن المعادلة ليست سوداوية بالكامل، إذ يشير الخبراء إلى أن السلاح نفسه يحمل نقطة ضعف المهاجمين. فالشفافية المفرطة لشبكات البلوك تشين تترك أثراً رقمياً أبدياً، مما يسمح للمحققين الجنائيين بتتبع حركة المحافظ الرقمية وتحليل الخيوط لاستباق الهجمات.
وفي ظل هذه المعطيات، تبقى النصيحة الذهبية التي يوجهها الخبراء تنص على أمن أموالك المشفرة لا يعتمد على قوة البلوك تشين بل يبدأ من وعيك الشخصي، فحماية جهازك، ومفاتيحك الخاصة، وتفعيل المصادقة الثنائية، هي الخط الدفاعي الأول ضد هذا التحالف الإجرامي الجديد.
