في مسيرة العمل العربي المشترك، لم يكن الدور السعودي محصورًا في المشاركة داخل جامعة الدول العربية، بل اتجه في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، إلى دعم المؤسسة العربية وتطوير قدرتها على التعامل مع أزمات تتسع رقعتها وتتداخل تداعياتها، من فلسطين والسودان واليمن ولبنان إلى الأمن الإقليمي والاقتصاد والتنمية.


الملك سلمان ودعم «البيت العربي»

ومنذ تولي الملك سلمان مقاليد الحكم، حافظت المملكة على حضور فاعل داخل منظومة العمل العربي، انطلاقًا من رؤية تعتبر وحدة الموقف والتنسيق بين الدول العربية ضرورة لمواجهة التحديات، وفي قمة جدة العربية عام 2023، التي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين وترأسها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، جاء «إعلان جدة» مؤكدًا أهمية تعزيز العمل العربي المشترك وتوحيد الكلمة وحماية سيادة الدول وتطوير آليات العمل العربي.

ولم تكتفِ الرياض بدعم اجتماعات الجامعة، بل احتضنت خلال عهد الملك سلمان قممًا عربية وإسلامية، من بينها القمة العربية الإسلامية المشتركة في الرياض، بما أتاح بناء مواقف جماعية تجاه الأزمات الكبرى، وفي مقدمتها الحرب على غزة.

كما وسعت الرياض مفهوم العمل الجماعي عبر بناء شراكات عربية مع قوى دولية وإقليمية، من القمة العربية الصينية في الرياض إلى التحرك العربي الأوروبي بشأن عملية السلام، بما يفتح أمام الجامعة العربية قنوات تأثير أوسع على الساحة الدولية.

واستضافت المملكة خمس قمم عربية خالصة منذ تأسيس جامعة الدول العربية، ثلاث منها خلال عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، هي قمم الظهران 2018 ومكة المكرمة 2019 وجدة 2023، بما يعكس الحضور السعودي المتزايد في قيادة وتفعيل العمل العربي المشترك.

من البيانات إلى المبادرات

وبرز التحول الأهم في محاولة نقل العمل العربي من التعبير عن المواقف إلى التحرك الجماعي، وخلال رئاسة المملكة للقمة العربية في دورتها الثانية والثلاثين، دفعت الرياض نحو بلورة مواقف مشتركة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، وشكلت اللجنة العربية الإسلامية المشتركة للتحرك دوليًا بشأن غزة، كما طرحت المملكة الحاجة إلى تطوير آليات الجامعة لتكون أكثر فاعلية.

وامتد هذا النهج إلى الملفات الاقتصادية والتنموية، إذ ربطت المملكة بين الأمن العربي والتكامل الاقتصادي والأمن الغذائي واستثمار الموارد العربية، بما يفتح الباب أمام مفهوم أوسع للعمل المشترك لا يتوقف عند إدارة الأزمات السياسية.

المملكة قوة دفع عربية

وطرحت المؤشرات السعودية خلال عهد الملك سلمان نموذجًا يقوم على الجمع بين ثقل الدولة وقدرة المؤسسة العربية على إنتاج مواقف مشتركة، مع توسيع دوائر التحرك لتشمل القوى الدولية والمنظمات الإقليمية، والذي ظهر في التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين، وفي التنسيق العربي والإسلامي الذي تقوده المملكة بشأن فلسطين، فضلًا عن الدفع المستمر نحو تطوير آليات الجامعة.

ومن هنا، تبدو الرؤية السعودية للعمل العربي المشترك أقرب إلى معادلة جديدة: جامعة أكثر تنسيقًا، ومواقف أكثر توحيدًا، وتحرك يتجاوز حدود البيانات إلى المبادرات والشراكات والنتائج؛ وهي معادلة تجعل ثقل المملكة عاملًا دافعًا لتطوير أدوات العمل العربي في مواجهة أزمات المنطقة وتحدياتها المتسارعة.