منذ أن رحلتِ يا أمي، أصبحت الكتابة عنك وجعًا آخر يُضاف إلى وجع غيابك. حاولت أن أستعيدك بالكلمات، فاكتشفت أن الكلمات أضيق من أن تتسع لعمر كامل من الحنان، وأن الحديث عنك لم يكن حديثًا عن أم فحسب، بل عن قلب عاش للآخرين أكثر مما عاش لنفسه.

كنتِ أنموذجًا نادرًا للأم في عطفك وحنانك وإيثارك وصبرك وتضحيتك ورحمتك ووفائك. حملتِ هموم أبنائك وبناتك قبل أن يتحدثوا عنها، وفرحتِ لأفراحهم، وتألمتِ لأوجاعهم في صمتٍ، ومنحتهم من قلبك ما جعل وجودك في حياتهم مرادفًا للأمان.

وكان لأحفادك في قلبك حبٌّ آخر، أحببتِهم حبًّا مضاعفًا، وسألتِ عنهم واحدًا واحدًا، وحفظتِ تفاصيلهم الصغيرة، وقلقتِ لمرضهم وغيابهم، وانتظرتِ زياراتهم بشوقٍ. كان لكلِّ واحدٍ منهم مكانه وحكايته في قلبك.

أما زوجات أبنائك، فكانت علاقتك بهن من أجمل جوانب حياتك وأكثرها اختلافًا. لم تنظري إليهن يومًا باعتبارهن غريبات دخلن العائلة، بل استقبلتهن كبناتٍ دخلن قلبك. أحببتِهن وخفتِ عليهن، وسألتِ عنهن، واحتويتِ تعبهن، وكنتِ لهن أمًّا وصديقةً وسندًا. كان قلبك أكبر من المسميات، وكنتِ طيبة العِشرة والمعشر، نقية السريرة، تعرفين بفطرتك أن المحبة حين توزعت لم تنقص، بل ازدادت.

ولم يتوقف قلبك عند حدود العائلة، أحببتِ الناس بطريقة تشبهك وحدك، سألتِ عن الغائب، واطمأننتِ على المريض، وحزنتِ للمتعب، وحملتِ همَّ المحتاج، ودعوتِ للناس في غيابهم دون أن يعلموا، وكم من إنسانٍ مضى في يومه وهو لا يعرف أن اسمه مرَّ على قلبك في ليلةٍ، فرفعتِ يديك إلى الله، وسألتِه له فرجًا أو شفاءً أو رزقًا.

كنتِ صبورةً حدّ الصبر، وعطوفةً حدّ العطف، ورحيمةً بالكبير والصغير، وكريمةً مضيافةً، فتحتِ بيتك للناس كما فتحتِ لهم قلبك، استقبلتهم بالبشاشة، وأكرمتهم بمحبة، وودعتهم بالدعاء.

لكن أجمل ما تركته في ذاكرتي كان ذلك السر الصغير بينك وبين الله:

الصدقة.

لم تعرفي الادخار لنفسك، كلُّ مالٍ وصل إليك، قليلًا كان أو كثيرًا، وجد طريقه إلى فقيرٍ أو محتاجٍ. لم تبقي لنفسك منه شيئًا، وكانت سعادتك فيما تعطين، لا فيما تملكين.

وما زالت وصيتك عالقة في أذني، كنتِ تضعين المال في يدي؛ لأتصدق به عنك، ثم تقولين: «لا تخبر أحدًا». لم تريدي اسمًا يُذكر، ولا شكرًا يُقال، أردتِ للصدقة أن تظلّ سرًّا بينك وبين الله، مستشعرةً معنى الهدي النبوي: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».

أعطيتِ في صمتٍ، وتركتِ بينك وبين الله أبوابًا من الخير عرفنا بعضها وغاب عنّا أكثرها، ثم جاء المرض.

وهنا يا أمي، رأيت بعض ما زرعته طوال عمرك يعود إليك محبةً وبرًّا ووفاءً. لم يغب عنك أبناؤك وبناتك يومًا واحدًا، ولم ينم لهم ليل حين يشتد عليك الألم، وكانت غرفتك في المستشفى شاهدةً على حضورهم اليومي. أبناؤك وبناتك وزوجات أبنائك وأحفادك، بنين وبنات، كانوا كخلية النحل يتناوبون على البقاء بجوارك؛ هذا يدخل، وذاك ينتظر، وآخر يسأل الطبيب، وأحفاد يأتون ليطمئنوا عليك.

قلوبٌ كثيرة اجتمعت حول سريرٍ واحدٍ؛ لأنها كانت معلقةً بقلبٍ واحدٍ هو قلبك. كانوا يفدونك بأرواحهم، ويتمنون لو استطاعوا أن يحملوا عنك الألم، ولو كان العمر يُهدى لأهدوك من أعمارهم، وكانت تلك الغرفة شاهدةً على برّهم بك كما كانت حياتهم كلها شاهدةً على برّك بهم.

واليوم يا أمي، أصبحنا نشتاق حتى إلى تلك الغرفة، فقد كان فيها المرض، وكان فيها الخوف، وكان فيها التعب... لكن كنتِ أنتِ فيها، ثم جاء اليوم الذي كنّا نخافه.

رحلتِ يا أمي، ولعلَّ الجموع الغفيرة التي شيّعت جنازتك كانت آخر مشاهد المحبة التي زرعتها في دنياك. وجوه كثيرة، وقلوب موجوعة، وأقدام تسابقت إلى وداعك والدعاء لك، ثم مضت جنازتك إلى مثواك بسرعة، وفي لمح البصر، حتى بدا كل شيء ميسّرًا على نحو واسى قلبي رغم فداحة المصاب.

حدّثوني عن خفة جسدك بين أيدي من حملوك، وكأنك ريشةٌ تمضي إلى ربها. لم أجعل من ذلك حُكمًا ولا شهادةً، فالله وحده أعلم بعباده، لكن قلبي الموجوع استبشر به، وحضرني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها».

فقلتُ في داخلي وأنا أودعك: لعلها كانت تمضي إلى الخير الذي ظلت طوال عمرها ترسله أمامها.

وبعد أن عاد المشيعون، وأُغلق باب البيت، وهدأت الأصوات، بدأ الفقد الحقيقي. لم يكن الفقد في لحظة رحيلك وحدها، بل في كل شيءٍ جاء بعدها، في بابٍ لم تعودي تفتحينه، وفي مكانٍ بقي خاليًا، وفي هاتفٍ لن يحمل اسمك، وفي سؤالٍ لم يعد أحدٌ يسأله بطريقتك، وفي دعاء كنت أسمعه منك فأصبحت أنا من يقوله لك.

وكلما اشتد بي وجع غيابك، عادت إلى أذني وصيتك القديمة: «لا تخبر أحدًا»، واليوم يا أمي، لم يعد السرُّ سرًّا.

رحلتِ يا صاحبة الصدقة، وبقي الله الذي كان يعلم بها، وكم يواسيني أن ما خفي عنّا لم يخفَ عنه، وأن ما خرج من يديك في الخفاء مضى أمامك، وأن محتاجين ربما دعوا لك دون أن يعرفوا اسمك، وأن أبوابًا من الخير ربما فُتحت لك ونحن لا نعرف عنها شيئًا.

كنت ترسلين صدقاتك أمامك في صمتٍ، وكأنك كنتِ تتهيئين للرحيل قبل أن نعرف نحن أن الرحيل قريب. فإن كان رحيلك قد ترك مكانك في بيتنا خاليًا، فإن رجائي بالله أن يكون ما أخفيته في دنياك قد استقبلك عنده نورًا ورحمةً.

رحلتِ يا أمي، وبقيت أنا أبحث عنك في الأماكن التي كانت تعرفك، وبقي دعائي يصعد إلى السماء خلفك.

وبين صدقة أخفيتها في حياتك ودعوة أخفي بها دموعي بعد رحيلك، سيظل بيننا طريق لا يقطعه الموت.

رحمك الله يا أمي حتى ألقاك.

وأي حياة بعدك تشبه الحياة؟