خطّت العاصمة الأمريكية واشنطن مساء اليوم (الجمعة) فصلاً جديداً ومفصلياً في مسار الصراع اللبناني الإسرائيلي، بتوقيع لبنان وإسرائيل وثيقة «اتفاق إطار» ثلاثي بحضور الولايات المتحدة، بعد أربعة أيام من المفاوضات المعقدة خلف الكواليس لإنهاء القتال وتثبيت ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان.

وفيما تباينت القراءات الاستراتيجية لمضمون الاتفاق وكواليسه التي كشفتها الأوساط العبرية والأمريكية، حسم الرئيس اللبناني جوزيف عون الموقف الرسمي لبيروت، مسبغاً على الحدث أبعاداً سيادية حازمة بالقول إن هذا الاتفاق هو «خطوة أولى على طريق استعادة لبنان لسيادة دولته على أراضيه كاملة، غير منقوصة ذرة».

كواليس الربع الساعة الأخير والمرحلة التجريبية

جاء التوقيع بعد كواليس دبلوماسية حبست الأنفاس، حيث كشفت مصادر أمريكية أن وزير الخارجية ماركو روبيو أجرى ليل أمس اتصالين هاتفيين بكل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون لإزالة آخر العقبات، قبل أن ينضم روبيو بنفسه للمفاوضات اليوم، معلناً عقب التوقيع: «سيحتاج الأمر إلى الكثير من العمل، لكننا نعتقد أن هذه ستكون الخطوة الأولى، وهي خطوة صعبة. والشعب الإسرائيلي، خصوصاً سكان الشمال، يستحقون العيش بأمن وسلام».

وبحسب تفاصيل مذكرة التفاهم، فإن الاتفاق يتضمن:

تثبيت «الخط الأصفر»:

تكريس بقاء الجيش الإسرائيلي في منطقة الشريط الأمني (الخط الأصفر) والاحتفاظ بحرية العمل فيه لإزالة أي تهديد، إلى حين نزع سلاح حزب الله والتنظيمات المسلحة، وإثبات قدرة الدولة اللبنانية على تحمل المسؤولية الأمنية الكاملة.

مرحلة تجريبية لانتشار الجيش:

إطلاق مرحلة تجريبية فورية لانسحاب إسرائيلي من مناطق محدودة يقابلها انتشار للجيش اللبناني بإشراف ومساعدة من قوات أمريكية، وذلك في منطقتين متجاورتين؛ الأولى خارج الخط الأصفر غرب نهر السلوقي وجنوب الليطاني، والثانية شمال نهر الليطاني.

إنهاء النفوذ الإيراني:

ونقلت تقارير عن مسؤول سياسي إسرائيلي رفيع قوله: «إن الهدف المركزي للاتفاق هو إنهاء النفوذ الإيراني في لبنان، ورفض محاولات طهران فرض انسحاب أحادي، ونزع أي دور لها ولحزب الله في مستقبل البلاد».

عون من بيروت: عهدنا ألّا يبقى احتلال ولا وصاية.. ولا شريك للدولة

في المقابل، صاغ الرئيس اللبناني جوزيف عون السقف السياسي والسيادي اللبناني للاتفاق الإطاري، موجهاً خطاباً عالي النبرة إلى الداخل والخارج على حد سواء.

واستهل الرئيس عون موقفه بالتوجه بالشكر إلى الإدارة الأمريكية وعلى رأسها الرئيس دونالد ترمب على الجهود التي بذلت في استضافة ورعاية المفاوضات ودعم موقف لبنان، كما شكر الدول الشقيقة والصديقة التي واكبت المفاوضات الصعبة حرصاً على استقلال لبنان.

وخص الرئيس عون الفريق اللبناني المفاوض، من دبلوماسيين وعسكريين في واشنطن وبيروت، بتحية تقدير عالية على مواكبتهم للمفاوضات «لحظة لحظة وكلمة كلمة».

كما وجه عون تحية اعتزاز إلى الشعب اللبناني الذي صمد وواجه أقسى ظروف العدوان والتدمير والتهجير وأظهر أروع تضامن وطني، مؤكداً أن هذا الاتفاق هو أول الطريق لتثمين تلك التضحيات، ليعود اللبنانيون إلى أرضهم المحررة وبيوتهم المعمّرة حتماً، «أحراراً كراماً، مرفوعي الرأس».

وختم الرئيس اللبناني كلامه بقطع قسم حاسم يرسم حدود المرحلة القادمة والالتزامات السيادية للدولة اللبنانية، قائلاً: «نقسم على الاستمرار في العمل حتى إنجازه كاملاً، فلا يكون بعد احتلال ولا أسرى ولا تبعية ولا وصاية.. في ظل سيادة دولة لبنانية لا شريك لها في سيادتها على أرضها وشعبها. هذا ما يجمع عليه كل لبناني حر مسؤول شريف، وهذا عهدنا لهم وواجبنا تجاههم».