قبل 90 دقيقة فقط من تحول التهديدات بـ«إبادة الحضارة» إلى واقع مدمر، وقف العالم مذهولاً أمام مشهد لم يكن ليتخيله أكثر المتفائلين بـ «دبلوماسية الحافة».

في تلك اللحظة الحرجة، استبدل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لغة النار بوعود «السلام الطويل الأمد»، ورغم إعلان البيت الأبيض بالأمس إلقاء «النقاط العشر» الإيرانية في سلة المهملات، إلا أن واشنطن وجدت نفسها مضطرة للجلوس في إسلام آباد بحثاً عن مخرج.

إن تنفس الصعداء الذي شهده العالم منتصف الأسبوع، يواجه اليوم مخاض الحقيقة؛ فهل نحن أمام ولادة حقيقية لسلام تاريخي، أم أنها مجرد «استراحة محارب» قبل جولة الصدام الكبرى؟

إعادة تموضع إستراتيجي

ما حدث في الساعات الأخيرة لم يكن تراجعاً بقدر ما كان إعادة تموضع إستراتيجي، مع تأكيدات البيت الأبيض بأن خطوطه الحمراء لم تتزحزح، وأن لجوء طهران للطاولة جاء بعد إدراكها لعدم قدرتها على الاستمرار في المقامرة. فترمب الذي بنى خطابه على مبدأ «القوة أولاً»، وجد في الوساطة الباكستانية مخرجاً يجنبه كلفة حرب إقليمية شاملة قد تأكل أخضر الاقتصاد العالمي ويابسه. في المقابل، أثبتت طهران «براغماتيتها»، فهي لم تفتح مضيق هرمز كاستقرار مجاني، بل كورقة مساومة متحركة، فتحتها مبدئياً ثم عادت لتقييدها، في رسالة واضحة بأن التحكم بهذا الشريان يبقى مرتبطاً مباشرة بمسار التفاوض وشروطه. الحقيقة أن الطرفين وصلا إلى نقطة أدركا فيها أن كلفة الانفجار أكبر من طاقة تحمل النظام الدولي الحالي المنهك أصلاً.

عقدة «هرمز»

في هذا السياق، إن البنود التي قدمتها طهران، التي تبدو في ظاهرها مطالب تقنية، هي في جوهرها محاولة لقلب الطاولة وإعادة صياغة قواعد الاشتباك. عقدة هرمز مثلاً، لم تعد مجرد ممر ملاحي، بل تحولت في «المقترح» إلى أداة لتكريس شرعية السيطرة. فطهران تتحدث عن «تنظيم للملاحة بالتنسيق مع قواتها»، وهي عبارة ملغومة تعني انتزاع اعتراف أمريكي بدورها كشرطي لهذا الشريان الحيوي. أما الطلب المتعلق بجدولة انسحاب القوات الأمريكية، فهو «الطلقة السياسية» التي تضع واشنطن في مأزق وجودي أمام حلفائها، خصوصاً في ظل إصرار إسرائيل على أن الهدنة مع «الرأس» في طهران لا تشمل بالضرورة صمت المدافع في جبهات الأطراف. فكيف يمكن للبيت الأبيض أن يوازن بين رغبته في التهدئة وبين التزاماته التقليدية بحماية أمن الإقليم واستقراره التاريخي، في وقت يرى فيه الحليف الإسرائيلي أن هذه الهدنة هي مجرد مرحلة استعداد لجولة قادمة؟

تثبيت قواعد الردع

واشنطن لا تبدو أقل تمسكاً بشروطها، فمطالبها التي تبدو في ظاهرها أمنية، تحمل في جوهرها سعياً لإعادة تثبيت قواعد الردع التقليدية ومنع نشوء توازن قوى تميل كفته لصالح طهران. فواشنطن لا تفاوض فقط على بنود، بل على شكل النظام الإقليمي نفسه؛ ما يجعل أي تنازل بمثابة إعادة تعريف لدورها الإستراتيجي في المنطقة.

المفاوضات التي تواجه (السبت) مقصلة الوقت، تصطدم بمعضلة «تفسير النوايا». فالمدرسة الواقعية في واشنطن تعتبر أن طهران كسبت أسبوعين ثمينين لإعادة تذخير ترسانتها وحماية منشآتها الحيوية، بينما يراهن البيت الأبيض على أن «الصدمة والترهيب» التي سبقت الهدنة قد كسرت عناد المفاوض الإيراني وجعلته أكثر مرونة تحت ضغط التهديد الوجودي. هذا التباين الحاد في الرؤية يجعل الاتفاق المرتقب هشاً وقابلاً للانكسار. فكل طرف يقرأ البنود من زاوية مصلحته الوجودية، مما يحول أي تقدم دبلوماسي إلى هدوء تقني قابل للانهيار عند أول احتكاك ميداني.

بالنظر إلى الجانب الأمريكي، يدرك ترمب أن «فن الصفقات» لا يكتمل إلا بوجود خصم منهك. الهدنة هنا هي «فحص جهد» للنظام الإيراني، فإما المضي في مسار رفع العقوبات مقابل تنازلات تمس النفوذ الإقليمي، وإما العودة للمواجهة في توقيت تكون فيه واشنطن قد استكملت حشدها الدولي.

تراهن طهران في المقابل على أن الوقت يعمل لصالحها، وأن فتح نافذة «المرور الآمن» في هرمز كفيل بتبريد الرؤوس الحامية في البنتاغون. وهنا وضع عراقجي العقدة في المنشار، مؤكداً أن واشنطن لا يمكنها الجمع بين التهدئة مع طهران واستمرار الحرب في لبنان، مما يجعل الهدنة اختباراً فعلياً للنيات الأمريكية.

فراغ سياسي مؤقت

إن «هدنة الأسبوعين» ليست شيكاً على بياض، وليست نهاية للصراع الطويل الممتد لعقود، هي بالأحرى «فراغ سياسي مؤقت» يختبر قدرة القطبين على التعايش فوق صفيح ساخن دون الانزلاق إلى المواجهة الكبرى.

اليوم لن تُفتح مغاليق الكلام في إسلام آباد فحسب، بل ستوضع هيبة القوة الأمريكية وصمود الإرادة الإيرانية على محك الاختبار المباشر. والخطر الأكبر لا يكمن في فشل المفاوضات، بل في تحولها إلى أداة للمماطلة الإستراتيجية، فالمنطقة المرهقة بالأزمات لا تحتمل ستاتيكو جديداً يطيل أمد التوتر تحت مسمى التهدئة، بينما تستمر الحشود في تعزيز مواقعها خلف الستار الدبلوماسي.

نحن أمام مشهد استثنائي، حيث أصبحت الدبلوماسية هي «الحرب بوسائل أخرى». واشنطن تلعب ورقة «الفرصة الأخيرة» لاستعادة الاستقرار بشروطها، وطهران تلعب ورقة «المرونة الإستراتيجية» لحماية مكتسباتها، وبين هذا وذاك يقف العالم حابساً أنفاسه بانتظار ما ستسفر عنه جولات إسلام آباد الماراثونية.

العالم يراقب بحذر، والتاريخ يسجل بدم بارد، وإسلام آباد اليوم هي الساحة التي ستحدد ما إذا كنا قد دخلنا عصر «التبريد الإستراتيجي» الذي طال انتظاره، أم أننا نعيش مجرد «هدنة تقنية» قلقة تسبق زلزالاً مدمراً سيعيد رسم خارطة الشرق الأوسط السياسية والجغرافية للأبد.