لعل من الفترات الذهبية للعالم، والمراحل الأكثر موضوعية، تلك التي كان كوكب الأرض فيها ثنائي القطب؛ فالشرق بكل مكوّناته ومعتقداته وكلاسيكياته مثّل كفّةً وازنة، مقابل كفة الغرب الليبرالي البراغماتي الذي برر بغاياته النفعية كافة الوسائل التي انتهجها، وبلغت ذروة الفضائحية عندما انفرد الغرب وأمريكا تحديداً بالمشهد، فاشتكت الشعوب من كثرة السياسات المُجحفة بحقها، واستبد بها حنين إلى عالم متعدد الأقطاب لمواجهة تغوّل فردي لا يفرّق بين الأخطاء والخطايا.

وفي ظل ما نشهد اليوم من تنافس اقتصادي، تبرز تجلياته على مدار اليوم في السوق، وأثبت أن من حق كل أحد أن يمارس أنشطته المشروعة على أوسع رقعة متاحة، إلا أنه لا غنى عن توازن القوى، إذ ليس بالضرورة أن يكون الغرب في كل مكان بعدته وعتاده وعناد بعض قادته، كونه حامل لواء الديمقراطية، والشرق محسوبة عليه كل خطوة من خطواته بحكم أنه أيقونة استبداد؛ فالتعددية تخفف غلواء ردود الأفعال على أنظمة استمرأت التصعيد دوماً، وألفتْ إشعال فتيل الأزمات، دون مراعاة لما تطمح إليه الدول ومواطنوها من الاستقرار وبناء الأوطان وتعزيز الشراكات التي تنفع الجميع ولا تضرّ بأحد.

ولعله آن أوان الانتباه للاقتصادات الناشئة، خصوصاً تلك التي تقف من ورائها مجموعات بشريّة وسكانية ليست راضيةً تماماً عن إدارة العالم بقطب، يريد أن يرى الكل ما يراه، وربما كان بروز قوى جديدة مدعاة للغرب لإعادة النظر في سياساته، والاعتراف بأن من حق الدول أن تعيش في أمان، وأن تستكمل مشاريعها التنمويّة؛ المُعليّة شأن الإنسان الذي طالما تغنّى الغرب بحقوقه.