في ظل التحولات التي فرضتها الحرب الروسية في أوكرانيا، وما تبعها من تداعيات على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد والطاقة، تبرز العلاقات السعودية - الأوكرانية بوصفها مسارًا متناميًا من التعاون السياسي والاقتصادي والإنساني.

وفي هذا الحوار مع «عكاظ»، يتحدث سفير أوكرانيا لدى المملكة أناتولي بيترينكو، عن واقع العلاقات بين الرياض وكييف، وأولويات المرحلة القادمة، ودور السعودية في دعم الجهود السلمية والإنسانية، إضافة إلى تأثير الحرب على الاقتصاد الأوكراني وصادرات الحبوب والموانئ، وفرص التعاون في مجالات الأمن الغذائي والطاقة وإعادة الإعمار.

من الحوار التقليدي إلى العمل المنهجي

• كيف تقيمون المستوى الحالي للعلاقات السعودية - الأوكرانية، وأبرز ما تحقق بين البلدين رغم الحرب؟

•• تكتسب العلاقات بين أوكرانيا والسعودية ملامح الشراكة الإستراتيجية، فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أبريل ١٩٩٣، انتقلنا من الحوار السياسي التقليدي والمعتاد، إلى التعاون العملي والمنهجي ليشمل مجالات متعددة وكثيرة.

لكن الحرب وحالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، أثرت للأسف على مصالح البلدين، خصوصًا في مجالات الأمن والطاقة والغذاء.

ونثمن عاليًا الدعم الإنساني الذي قدمته السعودية لأوكرانيا، إذ خصصت ما مجموعه ٤١٠ ملايين دولار مساعدات لأوكرانيا، استخدم منها نحو ٩٢.٦ مليون دولار لتلبية الاحتياجات المدنية والطبية، واحتياجات قطاع الطاقة للشعب الأوكراني، كما يشهد التعاون الاقتصادي نشاطًا متزايدًا، ولا سيما في مجالات التجارة والاستثمار والزراعة والطاقة، والعلاقات بين مجتمعي الأعمال في البلدين.

• ما القضايا التي تمثل أولوية لأوكرانيا في علاقاتها مع السعودية؟

•• أظهرت التحديات الدولية الراهنة، أن أوكرانيا والمملكة، تتشاركان في مصالح كثيرة، منها الأمن والمرونة في قطاع الطاقة، وكذلك الاستقرار الغذائي، وهذه المجالات تشكل أساسًا مهمًا لتطوير شراكتنا مستقبلًا.

وعبر الرئيس فولوديمير زيلينسكي بوضوح عن هذه الرؤية، عقب لقائه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، في جدة في ٢٤ أبريل ٢٠٢٦، حين أشار إلى ثلاثة مسارات رئيسية، هي تصدير الخبرات والقدرات الأوكرانية في مجال الأمن والدفاع عن الأجواء، والتعاون في قطاع الطاقة، والتعاون في مجال الأمن الغذائي، نحن نعمل معًا من أجل تعزيز قدرات شعبينا وشركائنا، ونتطلع إلى توسيع هذه المجالات بما يخدم المصالح المشتركة.

• ما أبرز الاتفاقيات أو الشراكات القائمة حالياً بين البلدين؟

•• تمتلك أوكرانيا والمملكة قاعدة واسعة للتعاون في المجالات الاقتصادية والإنسانية والزراعية، والطاقة والتعليم والأمن، ومن أبرز نتائج المرحلة الأخيرة التوصل في مارس ٢٠٢٦، إلى ترتيبات للتعاون الدفاعي بين وزارتي الدفاع في البلدين، وهو ما يفتح آفاقًا لفرص جديدة وتعاون تكنولوجي واستثمارات مستقبلية، كما تقوم اللجنة الحكومية المشتركة الأوكرانية - السعودية، للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني، بأدوار رئيسية لتطوير وتحديث أجندة التعاون الاقتصادي، ويجري التخطيط الآن لعقد اجتماعات في السابع من سبتمبر القادم.

وفي إطار التحضيرات لهذا الاجتماع، يجري العمل على وثائق في مجالات كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، والتعاون الإعلامي، والسياحة، والرعاية الصحية، والتعاون الجمركي والضريبي، والطيران المدني، والملاحة التجارية، وصناعة الطيران، والتعليم.

ولكن يظل التعاون الزراعي من المجالات التقليدية والمهمة في علاقاتنا، فأوكرانيا تهتم وتحرص على زيادة صادرات الحبوب والزيوت النباتية، ومكونات الأعلاف وغيرها من المنتجات الغذائية إلى المملكة، فمجلس الأعمال المشترك الأوكراني - السعودي، يؤدي دورًا مهمًا في تعزيز التواصل المباشر بين البلدين، وتحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع عملية ملموسة.

سلام عادل ودائم

• كيف تنظر أوكرانيا إلى الدور السعودي في دعم التهدئة والحوار الرامي إلى إنهاء الحرب؟

•• في الظروف الراهنة، تكتسب الدول التي تتمتع بثقل سياسي ومكانة دولية وقنوات تواصل مع مختلف الأطراف أهمية خاصة، وتعد المملكة من أهم هذه الدول.

لقد قدمت المملكة إسهامات مهمة في دعم الجهود السلمية والإنسانية المرتبطة بالحرب الروسية في أوكرانيا، فساهمت في دعم صيغة السلام التي طرحها الرئيس فولوديمير زيلينسكي، واستضافت لقاءات واتصالات تفاوضية، وشاركت في الجهود المتعلقة بتبادل أسرى الحرب، فموقف المملكة يستند إلى مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وهي المبادئ التي يجب أن يقوم عليها أي سلام عادل ودائم.

ونحن كذلك ندرك ونتفهم التحديات التي تعمل المملكة على معالجتها في اليمن، وأوكرانيا تدعم الحكومة اليمنية الشرعية المعترف بها دوليًا.

من الضروري أن يؤدي السلام إلى إنهاء العدوان والصراع، وأن تقوم التسوية على العدالة واحترام القانون الدولي، والمملكة قادرة على أداء دور مهم في دعم الحوار، والحلول الإنسانية وتعزيز الدعم الدولي لتحقيق السلام العادل.

آثار اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق

• ما تأثير الحرب على الاقتصاد الأوكراني والبنية التحتية وحياة المدنيين؟

•• خلّفت الحرب آثارًا اقتصادية وإنسانية واسعة النطاق على أوكرانيا، أدى ذلك إلى فقدان القدرات الإنتاجية، وتدمير الأصول، وتعطيل سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والإجراءات الأمنية. وقد تضررت بصورة خاصة قطاعات الطاقة والنقل والزراعة والبنية التحتية الحيوية.

فالحرب أصبحت تهديدًا يوميًا للحياة، وتدميرًا للمساكن، ونزوحًا قسريًا، وانقطاعات للكهرباء، وفقدانًا لفرص العمل، وضغوطًا نفسية مستمرة. ومع ذلك، تواصل بلادنا الحفاظ على عمل مؤسسات الدولة، ودعم الاقتصاد، وضمان الصادرات، والوفاء بالتزاماتها الدولية.

• ماذا عن صادرات الحبوب الأوكرانية، ولا سيما القمح والذرة والزيوت النباتية؟

•• أدت الحرب إلى تعقيد صادرات الحبوب والزيوت النباتية بصورة كبيرة، ورغم ذلك، حافظت أوكرانيا على قدرتها على تزويد الأسواق العالمية بالقمح والذرة والشعير وزيت دوار الشمس وغيرها من المنتجات الزراعية وفي الوقت نفسه، خلقت الحرب مشكلة خطيرة أخرى، تمثلت في نقل الحبوب الأوكرانية بصورة غير قانونية من بلادنا.

• ما حجم التحديات التي تواجهها الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود؟

•• منذ بداية الحرب، تم تعطيل الصادرات الأوكرانية واستهدفت البنية التحتية للموانئ، والسفن التجارية ومستودعات الحبوب، إضافة إلى زرع الألغام في الممرات البحرية. وتضررت وتدمرت بعض منشآت البنية التحتية للموانئ، إضافة إلى تضرر بعض السفن المدنية، وهذا يؤثر على الاقتصاد الأوكراني ويهدد سلاسل الإمداد العالمية، نظرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الإنتاج الزراعي الأوكراني يصدر تقليديًا إلى الأسواق الخارجية.

ومع ذلك، واصلت أوكرانيا تشغيل خدماتها اللوجستية البحرية، فقد أتاح الممر البحري الأوكراني، الذي أطلق في سبتمبر ٢٠٢٣، استمرار نقل البضائع بصورة منتظمة إلى ٥٥ دولة، وحتى ٢٠ مايو ٢٠٢٦، تم من خلال هذا الممر.

• في رأيك، إلى أي مدى تأثرت الأسواق الغذائية العالمية بالحرب في أوكرانيا؟

•• حافظت أوكرانيا على قدرتها على إنتاج السلع الزراعية، وتصديرها بصورة مشروعة إلى الأسواق العالمية، ولا تزال الحبوب الأوكرانية تشكل عنصرًا مهمًا في الأمن الغذائي لدول الشرق الأوسط وأفريقيا وغيرها من المناطق، التي تحتاج إلى وصول مستقر من المحاصيل الغذائية الأساسية، وأوكرانيا مستعدة للتعاون مع شركائها.

• هل تستطيع أوكرانيا زيادة صادراتها الزراعية والغذائية إلى المملكة خلال الفترة القادمة؟

•• نعم، فالمملكة تمثل بالنسبة لنا سوقًا مهمًا وشريكًا أساسيًا في مجال الأمن الغذائي، كما يمكن للمنتجات الأوكرانية أن تشكل مصدرًا إضافيًا لتنويع الإمدادات.

وسيشمل ذلك القمح والذرة والشعير، إضافة إلى الزيوت النباتية والأعلاف وغيرها من منتجات القطاع الزراعي والغذائي. ومن الأدلة العملية على هذا التوجه، القرار الإيجابي الذي أصدرته الهيئة العامة للغذاء والدواء في المملكة، بشأن إعادة السماح بدخول منتجات وتواصل سفارة أوكرانيا العمل مع الجهات المختصة السعودية، لتعزيز وصول السلع والخدمات الأوكرانية إلى أسواق المملكة.

ومن المهم بالنسبة لنا، أن ينمو حجم الصادرات على أساس الجودة وإثبات المنشأ القانوني للمنتجات، وهو ما يحد من المخاطر والمشكلات مستقبلا، ويؤسس لعقود طويلة الأمد بين الشركاء الأوكرانيين والسعوديين.

إعادة إعمار أوكرانيا

• ما الدور المحتمل للمملكة في دعم إعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحرب؟

•• تفتح عملية إعادة إعمار أوكرانيا أمام المملكة فرصاً للمشاركة، من خلال الاستثمارات والتمويل وشركات المقاولات ودعم القطاعات الحيوية للاقتصاد.

ومن المجالات الواعدة للمملكة في هذا الإطار: تعزيز مرونة قطاع الطاقة، وتطوير البنية التحتية للنقل والموانئ والخدمات اللوجستية، والصناعات الزراعية والغذائية، وتخزين الأغذية ومعالجتها، والرعاية الصحية، والإسكان، والتحول الرقمي.

ويمكن أن تشارك في هذه الجهود المؤسسات الحكومية السعودية والخاصة، وصناديق التنمية والشركات الاستثمارية، وفي مقدمتها الصندوق السعودي للتنمية، فهو قادر أن يؤدي دوراً مهماً في تمويل المشاريع المتعلقة بالبنية التحتية والخدمات الاجتماعية والمبادرات الإنسانية، فيما تظل شركات سعودية أخرى من الشركاء المحتملين في مجالي الزراعة والأمن الغذائي.

• ما رسالتكم في نهاية الحوار؟

•• رسالتنا هي إلى الشعب السعودي، وهي رسالة امتنان صادق واحترام عميق، وانفتاح على مزيد من التقدم في علاقاتنا الثنائية.

تقدّر أوكرانيا عاليًا الدعم الذي تقدمه القيادة السعودية لشعبنا في هذه المرحلة الصعبة، ونحن ننظر إلى المملكة بوصفها شريكًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية.

ويمتلك بلدانا إمكانات كبيرة للتعاون في مختلف المجالات، وفي الوقت ذاته، نأمل أن يتعرف المجتمع السعودي بصورة أكبر على أوكرانيا، فهي بلد صاحب تاريخ عريق وثقافة غنية، ونحن نرحب دائماً بأصدقائنا السعوديين لزيارة أوكرانيا واكتشافها، سواء لأغراض خاصة أو في إطار الأعمال والتعاون.

ورغم الحرب، ستظل أوكرانيا شريكاً دولياً مسؤولاً؛ فهي تدافع عن حريتها وكرامتها وشعبها، وتحافظ على اقتصادها ومواردها، وتواصل إنتاج الغذاء لشعبها وللعالم، وتؤمّن الإمدادات لتصل إلى الأسواق العالمية، وتسهم في تعزيز الأمن الغذائي لكل البشر.

على دعمها ونرحب بتعزيز العلاقات معها

نستعد

لاجتماعات تناقش ملفات كفاءة الطاقة وصناعة الطيران