جرّب الإنسان البدائي العيش تحت مظلّة مكونات تقليدية، لم يجد حينها حاضنةً سواها، وحرص على تقوية فرديته وحماية ذاته ومكتسباته، بما حوله من سلطات اجتماعية واقتصادية، تكفل له حياة في سياق آمن قدر الإمكان؛ أو أقل خوفاً حسب المُستطاع.

ولم تكد تعلن الدولة الوطنية عن نفسها، إلا وتسارعت الشعوب الواعية للانضواء تحت لوائها، والاندماج في مؤسساتها، واكتسبت ببيعة ولي الأمر الهويّة الوطنية، التي أذابت كل ما في صدره ودماغه ومشاعره، من نزعات كلاسيكية سابقة، كونه بفطنته عقد مقارنة بين ما كان فيه وما أصبح عليه.

ولعلّ نموذج وحدتنا الوطنية، قريب من المثالية؛ بحكم أنها وحدة جامعة أتاحت لمناطق وقبائل ومذاهب وجهات ورجال وسيدات فرص الإسهام في لمّ الشمل وتوحيد الكيان، وسرعان ما احتوى الحُكم السعودي الجميع، وعزز مكانتهم، وكفل لهم تحقيق الانتماء وفق منظومة حقوق وواجبات.

وربما لم يدرك البعض، ممن لم يرتق بهم الوعي، ولم تصقلهم التجربة؛ أن الفضل الأول في بقاء القبيلة والطائفة والمذهب يرجع للدولة؛ التي لم تشأ أن تلغي موروث المجتمعات، واحترمت خيارات الناس في التمسك ببعض إرثهم الاجتماعي؛ وهذا الاحترام يُفترض أنه عزز فينا خيار الاندماج، وتقديس الوحدة الوطنية والذبّ عنها.

وبقدر ما تحز تصرفات غير مسؤولة في النفس، كونها تنطلق من هياط قبلي، أو مزايدات شعاراتية؛ إلا أن مسارعة وزارة الداخلية، لمحاسبة المتورطين فيها، دليل استشعار واجب؛ وباعث طمأنينة، كون مجتمعات آمنة تساهلت في إعلاء شأن الحواضن الصغرى، فأوقعتها في حروب كبرى، ويظل الأمل في مجلس الشورى كبيراً، كونه جهة تشريعية ورقابية معنيّة فقهاً وقانوناً بتشريع ما يحصّن وحدتنا الوطنية، ويعيد الأمور إلى نصابها.