يُعدّ التستر على مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، أحد أبرز السلوكيات التي تهدد أمن المجتمع وتُضعف جهود الدولة في تنظيم سوق العمل وحماية الحقوق. فالتستر، سواء كان بإيواء المخالفين أو تشغيلهم أو نقلهم أو تقديم أي شكل من أشكال المساعدة لهم، لا يقتصر أثره على مخالفة القانون فحسب، بل يمتد ليخلق بيئة غير آمنة، ويُسهم في انتشار الجرائم، ويُضعف الاقتصاد الوطني عبر الإضرار بفرص العمل النظامية للمواطنين والمقيمين الملتزمين.

وتولي الجهات المختصة في المملكة العربية السعودية، اهتماماً كبيراً بمكافحة هذه الظاهرة؛ من خلال حملات ميدانية مستمرة، وتشريعات صارمة، وعقوبات رادعة تهدف إلى حماية المجتمع وتعزيز الالتزام بالنظام. ويأتي هذا التركيز انطلاقاً من قناعة راسخة بأن احترام الأنظمة ليس مجرد التزام قانوني، بل هو مسؤولية وطنية مشتركة تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار والتنمية.

تورُّط مواطنين ومقيمين

أصدرت المديرية العامة للجوازات 15.2 ألف قرار إداري في شهر واحد، بحق مواطنين ومقيمين لمخالفتهم أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، وتنوعت العقوبات ما بين السجن والغرامة المالية والترحيل.

جريمة التستر على المخالفين وتشغليهم ونقلهم وإيوائهم لا يعي البعض خطورتها، صنّفها النظام بكونها جريمة مخلة بالشرف والأمانة ومن الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف، وتصل العقوبات فيها للسجن مدة 15 عاماً، وغرامة مالية تصل إلى مليون ريال، ومصادرة وسيلة النقل المستخدمة، ولا يستطيع المخالفون لنظام الحدود والإقامة والعمل مخالفة الأنظمة إلا بتستر البعض ممن بحث عن الكسب غير المشروع.

حملات مستمرة ضد المخالفين

أسفرت الحملات الميدانية المشتركة لمتابعة وضبط مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، التي تمت في مناطق المملكة كافة، للفترة 26/ 3/ 2026 إلى 1/ 4/ 2026م، عن ضبط 14242 مخالفاً؛ منهم 7884 مخالفاً لنظام الإقامة، و3948 مخالفاً لنظام أمن الحدود، و2410 مخالفين لنظام العمل، فيما بلغ إجمالي من تم ضبطهم خلال محاولتهم عبور الحدود إلى داخل المملكة 1449 شخصاً؛ 27% منهم يمنيو الجنسية، و71% إثيوبيو الجنسية، وجنسيات أخرى 2%، كما تم ضبط 29 شخصاً لمحاولتهم عبور الحدود إلى خارج المملكة بطريقة غير نظامية، كما تم ضبط 25 متورطاً في نقل وإيواء وتشغيل مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود والتستر عليهم، وبلغ إجمالي من يتم إخضاعهم حالياً لإجراءات تنفيذ الأنظمة 36365 وافداً مخالفاً؛ منهم 32309 رجال، و4056 امرأة.

وأُحيل 23815 مخالفاً لبعثاتهم الدبلوماسية للحصول على وثائق سفر، و6808 مخالفين لاستكمال حجوزات سفرهم، وترحيل 6285 مخالفاً.

سجن وغرامة وترحيل

أعلنت المديرية العامة للجوازات، من خلال لجانها الإدارية بمختلف إدارات جوازات المناطق، إصدار 15.2 ألف قرار إداري خلال رمضان 1447هـ، بحق مواطنين ومقيمين لمخالفتهم أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، وتنوعت العقوبات ما بين السجن والغرامة المالية والترحيل.

وأكّدت الجوازات على جميع المواطنين والمقيمين من أصحاب المنشآت والأفراد عدم نقل أو تشغيل أو إيواء المخالفين لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، أو التستر عليهم، أو تقديم أي وسيلة من وسائل المساعدة لهم في إيجاد فرص عمل أو سكن أو نقل، ودعت إلى التعاون والإبلاغ عن مخالفي أنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود، وأكدت أنها ستعامل جميع البلاغات بسرية تامة دون أدنى مسؤولية على المبلّغ.

مصادرة وسيلة النقل والسكن

جددت وزارة الداخلية التأكيد على أن كل من يسهل دخول مخالفي نظام أمن الحدود للمملكة أو نقلهم داخلها أو يوفر لهم المأوى أو يقدم لهم أي مساعدة أو خدمة بأي شكل من الأشكال، يعرّض نفسه لعقوبات تصل إلى السجن مدة 15 سنة، وغرامة مالية تصل إلى مليون ريال، ومصادرة وسيلة النقل والسكن المستخدم للإيواء، إضافة إلى التشهير به، وأوضحت أن الجريمة تعد من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف، والمخلة بالشرف والأمانة، حاثة على الإبلاغ عن أي حالات مخالفة.

جريمة مُخلة بالشرف

حذرت النيابة العامة من تسهيل دخول المتسللين إلى المملكة أو نقلهم أو توفير المأوى أو تقديم أي مساعدة أو خدمة، باعتبار ذلك جريمة موجبة لعقوبات تصل إلى السجن 15 سنة وغرامة مليون ريال ومصادرة وسيلة النقل والسكن المستخدم للإيواء كما تُعد جريمة كبيرة موجبة للتوقيف ومخلة بالشرف والأمانة.

وقالت النيابة العامة: إنه يعاقب كل من يسهل دخول المتسلل للمملكة أو نقله داخلها أو يوفر له المأوى أو يقدم له أي مساعدة أو خدمة بأي شكل من الأشكال -مع علمه بذلك- بواحدة أو أكثر من العقوبات الآتية دون الإخلال بأي عقوبة أشد ينص عليها نظام آخر؛ السجن مدة لا تقل عن خمس سنوات وتصل إلى 15 سنة وغرامة تصل إلى مليون ريال، ومصادرة الوسيلة التي نقل المتسلل بها، ومصادرة المسكن الذي أُعد بشكل خاص لإيواء المتسلل أو استخدم لهذا الغرض فقط، وفي حال كانت الوسيلة أو المسكن -محل المصادرة- يتعلق بها ملك للغير فيعاقب بغرامة تصل إلى مليون ريال، وفي حال كان الناقل أو المؤوي للمتسلل حسن النية وصاحب تصرفه تفريط أو إهمال جسيم فيعاقب بغرامة تصل إلى 500 ألف ريال، ونشر ملخص الحكم القاضي به على نفقة المحكوم عليه بعد اكتسابه الصفة القطعية.

جريمة تستدعي العقاب الصارم

بدوره، شدد اللواء متقاعد محمد الغامدي، على أننا ندرك جميعاً حجم الاستهداف الذي تتعرَّض له بلادنا، وما يبذله المتربصون بأمنه لأجل تهديد سلامته وإعاقة تطوره، والواجب يتطلب منَّا جميعاً أن نكون أعيناً تُراقب وتَرصد، ونتجاوب مع جهود الجهات المختصة في مجال ردع المخالفين للأنظمة العمل والإقامة ونظام الحدود.

وأوضح أن المتعاملين مع أولئك المخالفين لا مبرر لهم، فقد أمتهن البعض التعامل مع المجهولين، وتوفير وسائل النقل والإقامة لهم وتشغيلهم، فهؤلاء ارتكبوا إحدى الجرائم الكبرى التي يمكن تصنيفها في خانة الجرائم المخلة بالشرف، والتي تستدعي العقاب الصارم، فهؤلاء الذين يلهثون وراء تحقيق مكاسب مالية شخصية يتغاضون عن الضرر الذي يُسبِّبونه لغيرهم، فالأوطان يجب أن تكون لها الأولوية.

خطر صحي وأمني

أكد الخبير الأمني اللواء متقاعد حسين الحارثي، أن الكثير لا يعي خطورة العمالة السائبة، فالأضرار التي تسببها تلك العمالة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل هناك جانب أمني واجتماعي وجوانب أخرى أكثر خطورة مثل التجسس والعمالة، وتهريب المخدرات والأسلحة، والاتجار في الخمور والدعارة، وقابلية هؤلاء المجهولين لارتكاب أي نوع من الجرائم لأجل الحصول على المال. وأَضاف كما يُشكِّلون خطراً داهماً من الجانب الصحي، لا سيما أن معظمهم يأتون من دولٍ لا تتوفر فيها مقومات الرعاية الصحية، فقد يكونون حاملين أمراضاً معدية وقاتلة مما يسهم في نقلها للمجتمع.

وشدد اللواء الحارثي، على أن المملكة العربية السعودية تتمتع بحدود برية وبحرية شاسعة، وتختلف فيها التضاريس على طول تلك الحدود، وهو ما يظهر ما تبذله قطاعات وزارة الداخلية بمختلف تخصصاتهم، والوحدات التي يعملون فيها، وهو ما يستوجب منَّا التفاعل الإيجابي مع تلك الجهود وإسنادها، عبر المشاركة الفعلية في إنجاحها ودعمها.

وأبان أن أبرز تلك المشاركة تتمثل في الإبلاغ الفوري عن أي رصد لمخالفين نظام الأقامة والعمل وعدم تقديم أي نوع من المساعدات أو التسهيلات لهم، سواء بإعطائهم أموال الصدقات، أو بتشغيلهم وإيوائهم، أو نقلهم أو توفير المسكن لهم.

واختتم: لا يجدي التعاطف مع المخالفين وحسن النية، فالآثار الخطيرة المترتبة على ذلك التعاطف والتعامل على الأمن الوطني، وما يُشكِّلونه من تهديد جدي للمجتمع، فإن أي مخالفة للأنظمة الإقامة والعمل ونظام الحدود تعد تجاوزاً متعمداً للأنظمة والقوانين يستوجب العقوبة النظامية، بغض النظر عن الدوافع والأسباب، لأن حسن النية إذا كان يُسبِّب الضرر للآخرين، فإنه لا ينبغي أن يكون منجاة من العقاب.