ليلة القدر، ليلة استثنائية بكل المعايير، يحفّها النور من كل اتجاه، وتلهج الألسنة بالدعاء لبلوغها، وقد آثرت «عكاظ» أن تلتقي خلال الليالي العشر الأواخر، ثلة من النجوم، على المستوى الديني والاجتماعي والثقافي والفني والرياضي، لتبحر معهم في المعاني التي تحملها ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن. ضيف «عكاظ» اليوم هو المفكر والكاتب والروائي الكبير الدكتور تركي الحمد، فماذا قال عن رمضان والعشر الأواخر وليلة القدر وطفولته المبكرة في الأردن وإنجازاته وأمنياته وفيض تأملاته ومخاوفه في الشهر الكريم، وماذا قال عن كل هذا؟ الإجابة في الحوار التالي:
•لكل زمن طقوسه، ولكل فصل مواسمه.. ماذا تعني لك العشر الأواخر من رمضان؟
•• لن أدخل معك في روحانيات تلوكها كثير من الألسن ولا تعنيها، أو لنقل لا تتخلل قلوبها، فمن يحس بالحب الإلهي لن يستطيع التعبير عنه مهما كان ضليعاً في لغة الحروف، وكما قال النفري فإنه «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». ولكني أجيب بسؤال عن سؤالك هو ذات الجواب: بماذا تحس وأنت تحتسي آخر قطرة من عصيرك المفضل، أو آخر حبة في عنقود عنب يماني؟ هذا تقريب حسي لما أشعر به خلال الثلث الأخير من رمضان، وإلا فإن ما يخالج النفس ويعانق الروح أكبر من ذلك بكثير.
•بين طفولتك وربيع عمرك أربعون رمضان وأكثر، ما الذي يستدعيك للماضي أكثر من هذه السنوات؟
•• ما الذي يستدعيني للماضي؟ بساطة تلك الأيام وجمالها الكامن في تلك البساطة. كان رمضان يأتي ويمضي دون أن يتغير نمط حياتنا اليومي، كل ما في الأمر أن وجبة الغداء تؤجل إلى ما بعد المغرب، أما مواعيد العمل والدراسة وغيرها، فكانت تبقى كما هي. ومع ذلك تجد الناس في غاية الصفاء ودماثة الخلق، وتكاد تشم روحانية الشهر في الأجواء. ألذ ما في تلك الأيام هو تبادل أطباق بسيطة بين الجيران بحيث ينتهي الأمر وكأن الجميع يأكلون نفس الصنف من الطعام. والألذّ هو ساعة إيقاظك للسحور، فتنهض والنوم يكاد يغلبك وأنت تتناول تلك الوجبة والهدوء يلف المكان.
•مَن مِن وجوه الماضي الذين قرأت لهم تتمناه الآن أن يكون حياً كي يقرأك؟
•• نجيب محفوظ أولاً، فقد كان عشقي تلك الأيام، ولا أنسى الأدباء الروس الكبار: تولستوي، دوستويفسكي وغوركي. أسماء كثيرة أخي علي، ولكن هذا ما يحضرني في هذه اللحظة.
•كل من يتحرى ليلة القدر يحمل بين جنبي قلبه حلماً عظيماً.. ما الذي تترجاه منها؟
•• شخصياً، صفاء النفس وسعادة الدارين. عموماً، أن يرحم الله قومي فهم اليوم في ضلال مبين: الدماء المسفوكة والأعراض المنتهكة والتكفير والتخوين لمجرد كلمات ما أنزل الله بها من سلطان. فهل تستحق هذه الكلمات والشعارات كل هذا الجنون؟ في ليلة القدر أطلب العلي القدير هداية مستنيرة، واستنارة ما بعدها ظلمة.
•بين شرط العبادة وطموح الحلم.. ما الذي يتبقى لك كي تتأمل فيض الرحمانية في هذه الليلة؟
•• الأمل.. الأمل في أن يتقبلني الرحيم في رحمته.. الأمل في أن يفيض عليّ السكينة بما يغمرني حتى أستطيع العيش في هذا العالم المضطرب.. الأمل في أن يظلني الله يوم لا ظل إلا ظله..
•في حياتك يكون الأب رمزاً لأنك الوحيد وفي رمضان أنت تركي، قل لنا في وحدتك ماهو الرمز؟
•• الرمز هو اللا رمز، فالرموز قيود وأنا لا أحب القيود.. ليس في رمضان فقط ولكن في كل وقت وحين..
•بدأت بالترجمة وتجليت في الكتابة.. ما الذي كتبته في رمضان ولن تنساه؟
•• الثلاثية.. بدأت كتابتها في رمضان عام 1994م، ولا أنسى مقالة في جريدة الرياض، أظنها الرابعة أو الخامسة، كان عنوانها «الله..»، بثثتُ فيها شجوناً وطرحت تساؤلات عن الدين السائد والدين الواجب.. رمضان بالنسبة لي شهر إنجازات بالفعل.
•لو كل الليالي ليالي قدر.. ما الذي ستراهن عليه كي يتحقق أولاً؟
•• سؤالك فيه نوع من المفارقة يا صديقي، فلو كانت كل الليالي ليلة قدر فما قيمة ليلة القدر؟ قيمة الأشياء في ندرتها يا صاحبي وإلا تساوى الذهب بالنحاس. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فأنا لا أراهن في مثل هذه الأمور فهي متروكة للرب.. هو الفعال لما يريد.
•بين الخاص والعام.. أيهما ترى هو الأولى هذه الليلة: ترميم الذات؟ أم إصلاح العالم؟
•• تغيير الذات أولاً وليس مجرد ترميمها، فكيف يمكن لك أن تصلح عالماً بأكمله وذاتك معطوبة؟ هذه الليلة وكل ليلة، كي لا نكون مثل من يكون إبليسا طوال العام ثم يتحول إلى قديس لأيام معدودة لا تلبث أن تنقضي.
•ما هي الأمنية التي تخشى أن تتمناها في مثل هذه الليلة؟
•• في هذه الحالة لا تعود أمنية يا صاحبي.. وإن كان ولا بد، أقول إنني أخشى أن تتلبسني النفس الأمارة بالسوء، فأتمنى زوال من يخالفني كي أستفرد بالعالم، وحينها لا يعود العالم جميلا فجماله في اختلافه. ولكني أعود وأقول إن هذه ليست أمنية أخشاها بل كراهية سألت الله أن يجنبني إياها.
•ما الذي تبقى من تركي رمضان الطفل!؟
•• ماذا تبقى؟ الفرحة الخالصة برؤية هلال رمضان ورؤية هلال شوال.. شعور لم يتغير منذ الطفولة.. أما ما بينهما فقد انتفت الطفولة البريئة ومشاعرها، وغابت سعادة البساطة.
بنى مسجداً وتكفل بمصاريف عائلات بالأردن منذ 40 عاماً
في الوقت الذي تعرّض فيه الدكتور تركي الحمد، ولا يزال حتى اللحظة، إلى حملات الإقصاء والتكفير والعنف سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو من خلال حسابات دينية شهيرة حرضت عليه أكثر من مرة عبر تأويل متعسف لطروحاته وتغريداته التي تتسم غالباً بالصراحة والمكاشفة وتسمية الأشياء بأسمائها، وهم الأشخاص الذين قال عنهم الحمد نفسه في حديث سابق لـ«عكاظ» إنهم «يستخدمون كل الأسلحة المتاحة حتى الضرب تحت الحزام»، مؤكداً أنه لا يخشى في الله لومة لائم، ولكن «هناك من لا يخشى الله في فجوره في الخصومة، رغم أنه يتحدث باسم الدين وقيم الدين وهي منه براء».
وعلمت «عكاظ» أن صاحب الثلاثية الشهيرة «أطياف الأزقة المهجورة: العدامة، الكراديب، الشميسي» الذي يجابه بحملات كراهية وتكفير، لا تتوقف أعماله الخيرية في الأردن، فقد بنى مسجداً في قرية المزار الجنوبي في محافظة الكرك جنوب الأردن قرب موقع معركة مؤتة والقرية التي كانت مسقط رأسه وذكريات طفولته الجميلة التي عاشها هناك، ووضع على المسجد اسم والده الراحل «حمد التركي» رحمه الله، ولأن إمام المسجد والمؤذن أيضاً طالبان في جامعة مؤتة فقد منحهما سكناً في المسجد الذي يتكفل هو بصيانته، كما يساعد عدداً كبيراً من الأسر في مسقط رأسه منذ 40 عاماً ويتكفل بعدد من الأسر بكامل مصاريفها ويشارك في جمعيات الأيتام باسم فاعل خير، فضلاً عن موائد الرحمن التي يقيمها كل رمضان. وتنشر «عكاظ» هذه التفاصيل، وفقاً لمصادرها، وبعيداً عن ضيفها الكبير مع كامل الاعتذار له إذا كنا ننشر هذه المعلومات دون سؤاله أو استئذانه.
تمنى في حوار مع «عكاظ» أن يكون نجيب محفوظ وتولستوي ودوستويفسكي أحياء
الحمد: أحبّ رؤية الهلال.. وأخشى تلبس أمنية زوال المخالف
20 يونيو 2017 - 03:56
|
آخر تحديث 20 يونيو 2017 - 03:56
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حاوره: علي مكّي
