التقنية سلاح ذو حدين، إما أن تكون مصدرًا للراحة أو سببًا للقلق.. في الآونة الأخيرة أصبح العديد من الأصحاء يستخدمون الساعات الذكية لمراقبة العلامات الحيوية للجسم، مثل ضغط الدم ومستوى الأكسجين وغيرها، إلا أن المتابعة المستمرة لحالتهم الصحية على مدار اليوم قد تتحول إلى مصدر للقلق يرهق تفكيرهم ويجعلهم أكثر انشغالاً بصحتهم.

وأكد عدد من الأطباء والمختصين أن مراقبة نبض القلب والعلامات الحيوية الأخرى دون وجود أعراض حقيقية قد تتحول مع مرور الوقت إلى عبء لا داعي له، إذ قد تسهم في زيادة القلق الصحي وإثارة المخاوف بدلاً من تحقيق الاطمئنان والراحة النفسية. ويشير المختصون إلى أن الساعات الذكية صُممت في الأساس لتكون أدوات مساندة تساعد المستخدم على متابعة صحته ونشاطه اليومي، لا أن تكون وسيلة لتشخيص الأمراض أو استبدال الفحوصات الطبية المتخصصة لذلك فإن الاعتماد المفرط على قراءاتها ومراقبة المؤشرات الحيوية بشكل متكرر قد يؤدي إلى تفسير التغيرات الطبيعية للبيانات على أنها مؤشرات خطر، ما يخلق حالة من التوتر والشك الدائم لدى بعض الأشخاص. ويؤكد المختصون، أن الاستفادة الحقيقية من هذه الأجهزة تكمن في استخدامها باعتدال، والرجوع إلى المختصين عند ظهور أعراض فعلية أو قراءات غير طبيعية متكررة، بدلاً من القلق الناتج عن متابعة الأرقام بشكل مستمر. فالصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، وأي وسيلة تقنية يفترض أن تمنح الإنسان الطمأنينة وتحسن جودة حياته، لا أن تتحول إلى مصدر للوساوس والمخاوف اليومية. وفي ظل التطور المتسارع للتقنيات الصحية، تبقى المسؤولية على عاتق المستخدم في تحقيق التوازن بين الاستفادة من مزايا هذه الأدوات الحديثة وعدم الوقوع في فخ المراقبة المفرطة، التي قد تجعل الشخص أسيراً للأرقام والقياسات بدلاً من أن يعيش حياته بصورة طبيعية ومطمئنة.

لا تراقب النبض

«عكاظ» استطلعت عدداً من الأطباء والمختصين للوقوف على الآثار الصحية والنفسية المرتبطة بالاستخدام المتزايد للساعات الذكية والتعرف على مدى دقة قراءاتها، وحدود الاستفادة منها، والمخاطر المحتملة للاعتماد المفرط عليها.

ويوضح الاستشاري في أمراض القلب الدكتور خالد الغامدي لـ«عكاظ»: أن الساعات الذكية، وفقاً للدليل الإرشادي لجمعيات القلب، قد تفيد في تشخيص بعض اضطرابات النبض، مثل التسارع، والخفقان الأذيني، وتباطؤ النبض، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون من خفقان متقطع، إذ تساعد الأجهزة على اكتشاف بعض اضطرابات النبض التي قد يصعب رصدها في أوقات الفحص التقليدي.

«شاهدت في بعض الحالات أن متابعة المريض لنبضه تحولت إلى قلق يومي، وبعض المرضى أنصحهم بعدم مراقبة النبض للتخلص من القلق المصاحب لاستخدام الساعات الذكية».

يتابع الغامدي: إذا لاحظ الشخص أنه يعيش في قلق دائم بسبب متابعته للنبض، فمن الأفضل أن يتوجه إلى الطبيب لاستشارته بشأن التغيرات التي يرصدها، وأن يقلل من استخدام الساعة إلا عند الحاجة؛ لأن متابعة النبض أصبحت في بعض الحالات مثيرة للقلق.

تنبيهات تقود إلى الطوارئ

استشاري طب الطوارئ الدكتور يوسف عجاج يرى أن أقسام الطوارئ تشهد بالفعل حضور أشخاص أصحاء بعد تلقيهم تنبيهات من ساعاتهم الذكية، مثل «نبضك مرتفع»، أو «الأكسجين منخفض»، أو إشعار بوجود اضطراب محتمل في ضربات القلب.

وأوضح الدكتور عجاج لـ«عكاظ»: أن بعض هذه التنبيهات قد يكون مهماً ويستحق التقييم الطبي، إلا أن بعضها الآخر قد يكون نتيجة قراءة عابرة أو غير دقيقة، تتحول بسبب المتابعة المفرطة إلى مصدر حقيقي للقلق.

وأشار إلى أن الأمر يستحق التوجه إلى الطوارئ عندما تتزامن القراءة غير الطبيعية مع أعراض مقلقة، مثل ألم في الصدر، أو ضيق في التنفس، أو الإغماء أو الشعور بقرب الإغماء، أو خفقان شديد ومستمر، أو عند تكرار التنبيهات غير الطبيعية، خصوصاً لدى مرضى القلب ومن لديهم عوامل خطورة.

وأكد أن الساعات الذكية تمثل تطوراً مهماً في المجال الصحي، وقد تسهم في اكتشاف بعض المشكلات الصحية في وقت مبكر، لكنها «ليست طبيباً على المعصم»، ولا ينبغي أن يتحول الإنسان السليم إلى مريض يراقب أرقام جسده طوال اليوم. وقال إن التقنية الصحية صُممت لتساعدنا على العيش بصحة أفضل، لا لنعيش في انتظار الإنذار القادم.

لا تتجاهل التنبيهات

الدكتور عجاج، أضاف أن هذه الظاهرة، من واقع العمل في أقسام الطوارئ، لها بُعد يتجاوز قلق الفرد؛ إذ إن الحضور إلى الطوارئ بسبب قراءات عابرة أو تنبيهات صادرة عن الأجهزة الذكية، دون وجود أعراض مقلقة، يضيف عبئاً يمكن تجنبه على أقسام تعاني أساساً من الازدحام، مبيناً أن كل زيارة غير طارئة تستهلك وقتاً وموارد قد يحتاجها مريض آخر أكثر خطورة.

وشدد على أن المسؤولية لا تكمن في التقليل من أهمية هذه الأجهزة أو تجاهل تنبيهاتها، وإنما في رفع الوعي بكيفية تفسيرها، ومعرفة متى تستدعي موعداً طبياً، ومتى تستدعي بالفعل التوجه إلى قسم الطوارئ.

طمأنة المريض وتقييم الحالة

ويُعد طبيب الأسرة خط الدفاع الأول في منظومة الرعاية الصحية، إذ ترى استشارية طب الأسرة الدكتورة فاطمة حولدار أن العيادات تواجه بشكل متزايد حالات مرتبطة بما يُعرف بـ«قلق الصحة الرقمي»، إذ يقوم بعض المرضى بالمراقبة المستمرة للعلامات الحيوية، مثل نبض القلب، وضغط الدم، ونسبة الأكسجين، وغيرها من المؤشرات، من خلال الأجهزة والتطبيقات الذكية و هذه المتابعة قد تكون مفيدة في بعض الحالات المرضية عند استخدامها بشكل صحيح وتحت إشراف طبي، إلا أن الإفراط في المراقبة قد يؤدي إلى زيادة القلق والتركيز المفرط على التغيرات الطبيعية في الجسم.

وقالت لـ«عكاظ»: إن المريض قد يفسر أي ارتفاع بسيط أو تغير مؤقت في أحد المؤشرات على أنه علامة على وجود مرض خطير، ما يزيد من التوتر والقلق، ويؤثر على جودة الحياة والنوم والنشاط اليومي.

وأشارت حولدار، إلى أن دور طبيب الأسرة يتمثل في التوعية وطمأنة المريض وتقييم الأعراض بصورة شاملة، إلى جانب توجيهه إلى الاستخدام الصحيح للتقنيات الصحية الرقمية، لتكون وسيلة داعمة للصحة لا مصدراً مستمراً للقلق.

وأكدت أن الهدف ليس منع استخدام هذه التقنيات، وإنما تعزيز الاستخدام الواعي والمتوازن لها، وربط نتائجها بالسياق الطبي الصحيح وحالة المريض بشكل عام.

مصدر عافية.. لا قلق

عن تحول مراقبة أعراض الجسم إلى وسواس قهري، أوضح أخصائي أول علم النفس العيادي الدكتور جميل الكاتب لـ«عكاظ»: أن الساعات الذكية والأجهزة القابلة للاستخدام بدأت بوصفها أدوات حديثة تساعد الإنسان على فهم جسده بصورة أفضل؛ فهي تراقب نبض القلب، وجودة النوم، ومستوى النشاط، والأكسجين، وبعض المؤشرات الصحية الأخرى. وأوضح أن المفارقة تكمن في أن التقنية التي صُممت لتعزيز العافية قد تتحول لدى بعض الأصحاء إلى مصدر دائم للقلق.

وقال: إن الأمر يبدأ غالباً بدافع بسيط للاطمئنان، ثم يتطور تدريجياً إلى مراقبة متكررة للجسد: «كم نبضة الآن؟ لماذا ارتفع المعدل؟ هل هذه القراءة طبيعية؟».

ومع مرور الوقت، يصبح الشخص في حالة يقظة مفرطة تجاه أدق الأحاسيس الجسدية، وقد يصبح الرقم الذي يظهر على الشاشة أهم من شعوره الحقيقي بجسده. وهنا تبدأ دائرة نفسية معروفة؛ فالتحقق يمنح الإنسان طمأنينة مؤقتة، لكنه لا ينهي القلق، بل قد يعزز الحاجة إلى مزيد من التحقق وكلما ظهرت قراءة مختلفة أو تسارع عابر في النبض، قد يقع الذهن في فخ «التفسير الكارثي» أو «التضخيم»، وهما من أخطاء التفكير، فيتعامل مع تغير فسيولوجي طبيعي وكأنه علامة على مرض خطير.

وأضاف أن المفارقة تزداد حين يؤدي القلق نفسه إلى استثارة الجهاز العصبي، فيرتفع النبض أو يزداد الخفقان فعلاً، فتلتقط الساعة هذا التغير، ويقرأه الشخص بوصفه دليلاً يؤكد مخاوفه.

وقال: «وهكذا تدور الحلقة: خوف، ثم مراقبة، ثم تغير جسدي، ثم خوف أكبر». وأكد أن المشكلة ليست في التقنية ذاتها، وإنما في علاقة الإنسان بها، موضحاً أن الأجهزة الذكية تصبح مفيدة عندما تمنح الإنسان معلومات تساعده على اتخاذ قرارات صحية أفضل، لا عندما تجعله يعيش في حالة تفتيش مستمر عن المرض.

وأضاف: «العافية لا تعني أن نراقب أجسادنا كل دقيقة، ولا أن نطالبها بأرقام مثالية طوال الوقت. أحياناً يكون جزء من الصحة النفسية أن نثق بالجسد، وأن نترك القلب ينبض دون أن نسأله في كل لحظة: كم بلغت نبضاتك الآن؟».

حالات ومفارقات في الطوارئ

يروي استشاري طب الطوارئ الدكتور يوسف عجاج إحدى الحالات التي راجعت قسم الطوارئ، شاب سليم حضر قلقاً، دون أن يعاني ألماً في الصدر أو ضيقاً في التنفس، وبعد إجراء التقييم الطبي وتخطيط القلب، جاءت النتائج مطمئنة، وتبيّن أن القراءة التي أثارت قلقه ظهرت بعد مجهود بدني.

وفي حالة أخرى، وصل شخص لا يعاني أي أعراض إلى قسم الطوارئ بعدما استيقظ على تنبيه من ساعته الذكية يفيد بانخفاض معدل نبض القلب أثناء النوم، وهو أمر طبيعي في بعض الحالات وبعد إجراء التقييم الطبي، لم يجد الفريق ما يشير إلى وجود مشكلة تستدعي القلق.

وتروي استشارية طب الأسرة الدكتورة فاطمة حولدار حالة أحد المرضى الذي حضر إلى العيادة بسبب قلقه المستمر من ارتفاع معدل ضربات القلب.

وأوضحت أن المريض كان يقوم بشكل متكرر ومبالغ بفحص نبضه من خلال الساعة الذكية، ومع زيادة توتره وقلقه كانت تظهر له قراءات مرتفعة لمعدل ضربات القلب، الأمر الذي زاد من خوفه وقلقه ودفعه إلى الاستمرار في المراقبة.

وأضافت أنه بعد إجراء الفحص السريري والتقييم الطبي، اتضح أن المريض سليم ولا توجد لديه مشكلة صحية، وأن معدل ضربات قلبه طبيعي.

وأشارت إلى أنه جرى طمأنة المريض وتوضيح أن القلق والتوتر الناتجين عن المراقبة المستمرة قد يسبّبان ارتفاعاً مؤقتاً في معدل ضربات القلب، وأن الإفراط في متابعة المؤشرات الحيوية عبر الأجهزة الذكية قد يزيد من القلق بدلاً من أن يطمئن المريض.