لم يعد البحث عن شريك العمر مجرد رحلة عاطفية محفوفة بالترقب، بل تحول في نظر الكثيرين إلى «أزمة عصر» تتجاذبها أمواج التغيير الاجتماعي والتقني. فمن أزقة الأحياء القديمة و«الخطّابة» التي تحمل أسرار البيوت وتنسج روابط الزواج، انتقلت رحلة البحث عن عروس إلى فضاءات التطبيقات الذكية التي تعد بجمع القلوب عبر البيانات والخوارزميات، في تحول جذري فرضه إيقاع العصر ومتطلباته الجديدة.

طرق تقليدية

التحوّل الرقمي وجد صدى لدى النخب والمؤثرين؛ إذ اعتبر الشيخ عادل الكلباني، في فيديو متداول، أن هذه الوسائل الجديدة قد تمنح موثوقية أعلى من الطرق التقليدية، مشيراً إلى أنها أقل تكلفة وأكثر جدية ووضوحاً، كونها تقوم على بحث دقيق بعيداً عن غلبة العواطف التي قد تشوب عمل الخطّابات. ومع تزايد التوجه نحو هذه المنصات، لم يعد خافياً أن ممارسات بعض الخطّابات التقليديات قد انحرفت نحو مساحات رمادية تتداخل فيها المصالح الشخصية، وظهرت للنور قصص استدراج ومشكلات متكررة، ما طرح تساؤلات ملحّة حول ضرورة تنظيم هذا الدور أو إعادة تعريفه بما يتناسب مع معايير الأمان الحالية بعيداً عن «أكشط واربح».

ومع ذلك، فإن هذا «النور الرقمي» لا يعني بالضرورة الوصول التلقائي إلى بر الأمان؛ فالتقنية مهما بلغت من الشفافية والذكاء، تظل أداة تمنح مساحة أوسع للاختيار لكنها لا تلغي احتمالات التضليل أو «التجميل الرقمي» والخداع. وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل تكمن النجاة في جودة الوسيلة وتطورها؟ أم في وعي المستخدم الذي يقف خلف الشاشة؟ فالفارق الحقيقي لا يصنعه نوع الوسيط، بل قدرة الفرد على التحقق، ورسم حدود واضحة لما يقبله ويرفضه في رحلة البحث عن شريك الحياة.

مغالاة في الشروط

سلطان محمد يقول: إنه ظل تائهاً يبحث عن شريكة حياته بعد محاولات فاشلة، ووقع ضحية دفع مبالغ طائلة على إحدى الخطّابات التي حدد لها الشروط، وفي كل مرة لا تتحقق تلك فيضطر إلى دفع مبالغ مالية كبداية اتفاق. ومن جانبه يرى حسين أحمد أن إحدى الخطّابات طلبت منه مقدم خمسة آلاف للنظرة الشرعية فقط، وبالفعل دفع المبلغ وبعدها اتضح أنها غير متوافقة مع شريكة المستقبل.

لكن الخطّابة أم محمد، ترى أن الرجال أكثر شروطاً وتعقيداً من النساء، وهنا تكمن الإشكالية وهن كخطّابات يبحثن عن «توفيق راسين بالحلال» والأجر من الله على مهنتهن. ويروي محمد عمر، أنه اتبع الطرق التقليدية القديمة من خلال مشورة والدته في من تراها شريكة صالحة ودائمة في حياته وتكوين أسرته وكتب الله له التوفيق. ويؤيده عبدالمحسن محمد، في ذلك أن الأم لا يمكن أن تغش فلذة كبدها.

فرق بين التعارف والزواج

كشف ريان الغصون (مؤسس أحد هذه التطبيقات)، أن السؤال الأكثر تكراراً عليه كلما استفسر الأصدقاء المقربون عن حياته الزوجية، يجيبهم بكثير من الامتنان أنه يعيش نعمة لا تُقدّر، وبركاتها كل يوم، وحين يطلبون معرفة السر، يقول لهم بثقة إن الأساس بعد توفيق الله هو الدقة في اختيار من ينسجم معك فكرياً وعاطفياً، ويتوافق مع قيمك، ويتلاءم مع أسلوب حياتك، وعندها يبتسم بعض المؤيدين للزواج التقليدي، ويقولون: هذا غير مضمون، وهو أشبه بطريقة أكشط واربح! فيرد عليهم بأن الزمن تغيّر، وأنّ الانفتاح الهائل جعل الاختيار أصعب، لكنه في الوقت نفسه أتاح وسائل أكثر وعياً ونضجاً للبحث عن شريك الحياة، فلم يعد الاضطرار للاعتماد على منصات التواصل التي تشتت أكثر مما تجمع، بل أصبح بالإمكان استخدام تطبيقات موثوقة صُمّمت خصيصاً للزواج الجاد. ويضيف أن تطبيقات الزواج الجادة تقوم على آلية ذكية ومعايير واضحة تحفظ خصوصية مجتمعنا، وهناك فرق جوهري بين تطبيقات التعارف وتطبيقات الزواج؛ فالأولى صُممت لتُبقي المستخدم أطول وقت ممكن، بينما نرى أن النجاح الحقيقي يكمن في أن يغادر المستخدم التطبيق لأنه وجد شريك حياته، وأضاف الغصون أن أكثر من 3000 حالة زواج ناجحة تمّت عبر إحدى المنصات.

تراجع الصور الرومانسية

حورية الحربي (اختارت زوجها عن طريق أحد التطبيقات)، تقول: لم تعد كثيرٌ من النساء الواعيات في مجتمعنا والراغبات في الزواج، ينتظرن فارس الأحلام ليأتيهنّ «على فرسٍ أبيض»، فقد تراجع حضور الصورة الرومانسية التقليدية أمام واقعٍ يفرض على المرأة أن تختار ما يناسبها هي وليس ما يراه الآخرون، فهي الأدرى بذاتها وبما يحقق لها الأمان والاستقرار ويصلح شأنها، وليس في ذلك أي عيب، بل هو جوهر الحكمة ولبّ الواقعية.

وأشارت الحربي، إلى أن توجه بعض النساء إلى التطبيقات الموثوقة والجادة، بحثاً عن شريك حياة ينسجم مع تطلعاتهنّ، ويشاركهنّ قيمهنّ، دون إغفال الجانب العملي الذي تفرضه الحياة اليومية.

وأضافت، أن الزواج الصحيح يمنح المرأة سعادتها واستقرارها، ولذلك يستحق جهداً صادقاً في البحث والتمحيص، ووعياً في اتخاذ القرار، وتحديداً واضحاً للقيم والأولويات التي تحفظ بها نفسها ودينها، وتنسجم مع بيئتها ومجتمعها.

ومن واقع تجربة شخصية، ذكرت الحربي: وجدتُ أن اللجوء إلى تطبيقات الزواج التي تتبع معايير دقيقة وخطوات ذكية خياراً مناسباً؛ فهي تمنح الفتاة فرصاً واضحة، وتحميها من تسلية البعض ووعودهم العابرة، وتوفر لها سرعة وجودة في الوصول إلى الشريك الذي تستحقه.

ودعت الحربي، الراغبات في الزواج للاستعانة بالله، واختيار الطريق الأمثل، والابتعاد عن منصات التعارف الوهمية، لتكون صاحبة القرار، ولا أسيرة الانتظار.

50 ريالاً عن كل سنة!

ترى المحامية فاطمة القرشي، أن الزواج مهما اختلفت وسائله هو عقد له قدسيته وآثاره القانونية والاجتماعية. ومع تطور الوسائل التقنية، تبرز الحاجة إلى تحقيق التوازن بين المرونة في التعارف والصرامة في الضوابط القانونية، بما يحفظ الحقوق ويحد من النزاعات، فليست المشكلة في الوسيلة بحد ذاتها، بل في كيفية استخدامها ضمن إطار قانوني وأخلاقي سليم، ويكون الزواج عبر التطبيقات ووسائل الاتصال الحديثة (الفيديو، الصوت) صحيحاً من الناحية الشرعية وقانونياً إذا استوفى الأركان والشروط الشرعية كافة وتم توثيقه رسمياً.

وأضافت، أن أهم تلك الشروط؛ الإيجاب والقبول والشهود وخلو الزوجين من الموانع الشرعية.

ومن ناحية نوعية العقوبات إذا تم التلاعب في الشروط مثل زواج مسيار غير موثق، أو زواج دون تصريح، قالت: إن غرامة التأخير في التوثيق 50 ريالاً عن كل سنة تأخير بعد مضي 60 يوماً من العقد، مع عدم الاعتراف بالزواج رسمياً أمام الجهات الحكومية.

أما عقوبة تزوير البيانات فهي السجن والغرامة، وعليه فإن وسيلة التعارف (سواء عبر تطبيق أو خطّابة) لا تؤثر في صحة العقد من حيث المبدأ، طالما استوفت هذه الأركان والشروط النظامية.

تحوّل في اختيار الشريك

الإخصائية الاجتماعية مناهل الجعيد، توضح أن تطبيقات التعارف والوساطة الرقمية أحدثت تحولاً واضحاً في طرق اختيار شريك الحياة، إذ أتاحت فرصاً أوسع للتعارف خارج نطاق العائلة والمعارف، وسهّلت الوصول لأشخاص يشاركون الاهتمامات والقيم اجتماعياً.

وأضافت أن هذه التطبيقات ساهمت في كسر بعض الحواجز التقليدية، لكنها في المقابل خلقت تحديات جديدة مثل ضعف الجدية لدى البعض، وتعدد الخيارات الذي قد يسبب تردداً في اتخاذ القرار، إضافة إلى مخاوف تتعلق بالخصوصية والمصداقية.

وأوضحت الجعيد، أن انتقال دور الأم والخطّابة إلى الوسيط الرقمي قلل من التدخل الأسري المباشر، لكنه لم يلغِ أهمية دور الأسرة في التحقق والتوجيه، وفي النهاية لا يمكن اعتبار هذه الوسائل بديلاً كاملاً عن الطرق التقليدية، بل أصبحت أداة إضافية تتطلب وعياً اجتماعياً وأخلاقياً لضمان أن يكون الهدف هو الزواج الحقيقي لا العلاقات المؤقتة.

إيجابيات وسلبيات

الأخصائي النفسي دخيل البراق قال: إن الزواج طالما تم بميثاق وأحكام شرعية سواء من الواقع أو من المواقع، في النهاية هو زواج، وكل زواج له إيجابياته وسلبياته ومعاييره.

ويضيف، أن الزواج الإلكتروني يختلف في طريقة التعارف بنية الزواج بسبب عدم الاعتماد على العائلة والتمرد على الوصاية أو قلة الحظوظ وإخفاء العيوب، من هنا فتحت الخاطبات تواصلهن المباشر أو المواقع الإلكترونية لتسهيل المهمة في البحث عن شريك الحياة الجاد والمتوافق في الظروف والطموح وأنماط الشخصية للوصول إلى الاستقرار النفسي والاجتماعي والعاطفي.

وأضاف البراق، أن الانعكاسات النفسية تبدأ من نظرة الأسرة التي تندرج تحت السؤال الأول «كيف تعرفّتِ عليه؟» وإلى أن تتم الموافقة من عدمها ليتم الزواج تحدث الصدمة عند اكتشاف الخفايا ثم الندم وانعدام الاستقرار النفسي وعدم تحمل المسؤولية والركود العاطفي، يتبعها البحث عن مسببات الاضطرابات من خلال تأكيد شكوك الخيانة واستغلال ظروف الطرف الآخر والتركيز على العيوب، حتى يقع الطلاق وتنتج عنه الاضطرابات النفسية وخلل في صورة المجتمع، لما يحدثه من تبعات سلبية لا حصر لها.

كبار السن والأرامل!

ويتابع البراق: من أهم معايير الزواج من المواقع الصدق والجدية والتحلي بالصبر لكلا الباحثين عن بناء علاقة أسرة دائمة، وإذا لم تتحقق هذه المعايير يحدث الخلل.

ويؤكد أن أكثر الباحثين عن الزواج الإلكتروني هم من كبار السن والمغتربين والأرامل وغير المتزوجين والمنفصلين وذوي الظروف الصحية والنفسية والعقلية، وتقل بينهم فئة الشباب، حاثاً الجهات ذات الاختصاص على أن تشرف على المواقع المحلية وتوثيقها للوصول إلى جودة عالية ومصداقية في البحث وعدم الاحتيال في ظل تزايد حاجة الفئة المستهدفة.

من مجلس العائلة إلى الشاشة

الأديب الدكتور عايض الزهراني، قال: إن تحوّل التوفيق بين الزوجين من مجلس العائلة إلى شاشة الهاتف يكشف تغيراً عميقاً في بنية المجتمع لا في وسائله فقط. فقد انتقلت المبادرة من الجماعة إلى الفرد ومن المعرفة المباشرة إلى البيانات الرقمية ومن الثقة الاجتماعية إلى التوثيق الإلكتروني.

وأوضح الزهراني، أن هذا التحوّل ليس خيراً مطلقاً ولا شراً مطلقاً بل هو مرآة لزمن جديد. فإذا ضُبط بالقيم والصدق والرقابة صار وسيلة لتوسيع فرص الاختيار وتجاوز ضيق الدوائر التقليدية، أما إذا ترك لمنطق السوق والاستغلال تحول إلى تجارة بالعاطفة وحاجة الإنسان إلى الاستقرار حيث ترتفع الرسوم وتضعف الضمانات وتتسلل المبالغة والنصب خلف شعارات الحداثة.

وأكد الدكتور الزهراني، أن الزواج ليس مجرد توافق معلومات بل اطمئنان روح وصدق نية وحضور عائلة ووعي مجتمع، لذلك لا ينبغي أن تلغي التقنية الحكمة القديمة بل تخدمها، فالمشكلة ليست في التطبيق بل في غياب الضمير والمعيار والثقة.

استخدموها بمسؤولية

المحاضرة في الإعلام بجامعة الطائف الدكتورة عزيزة الحارثي ترى أن الإعلام يشكّل عنصراً محورياً في استيعاب التغيّرات الاجتماعية ومتغيّرات العصر الرقمي وتوجيهها في ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، والوعي بتأثيرها في بناء العلاقات الاجتماعية.

وأوضحت أنه مع التسارعات التقنية والعقول الرقمية التي شُكلت ذهنياً على استخدام التطبيقات في سائر الأمور الحياتية، برزت تطبيقات التعارف كجزء أساسي من واقع العصر الحالي.

وكشفت الحارثي أن التحوّل يعكس تغيراً في أنماط التواصل، إذ باتت التكنولوجيا وسيطاً أساسياً في التعارف بين الأفراد، ولن يجدي الحل في استقصائها لدى مجتمع رقمي، بل تكييفها ضمن نطاق المجتمع وترسيخ القيم الإيجابية في استخدامها، والتحقق من المصداقية بين الأطراف، ما يُعنى بالاستخدام المسؤول للفرد، وهذا ما يصب على عاتق المؤسسات الإعلامية مسؤولية توجيه الأفراد، واستثمار التحول الرقمي لإيجاد التوازن بين التطور التكنولوجي الرقمي وبناء الأسرة بناءً سليماً، وتشكيل وعي جماعي لضمان توظيفها التوظيف الأمثل في إثراء التجربة الإنسانية لمجتمعات وخلفيات مختلفة، وزيادة فرص التوافق لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بأساليب مبتكرة وتحقيق الاستفادة المثلى من التقنيات الحديثة.

وأكدت الحارثي، أنه يمكن القول إن تطبيقات التعارف أصبحت وسيلة حديثة لبناء العلاقات، وبداية لتشكيل اللبنة الأولى في المجتمعات وتأسيس أسرة ناجحة إذا استُخدمت بشكل مسؤول ومتوازن.