-A +A
فهيم الحامد (الرياض) falhamid2@
كوننا جزءا من العالم.. نؤثر ونتأثر.. ونتكيف وفق المعطيات على الأرض.. واجهنا الكثير من الأزمات السياسية والاقتصادية وتعاملنا معها بحزم، وبحنكة، وعندما ظهرت أزمة تفشي فايروس (كورونا) في العالم، استشعرت المملكة مسؤوليتها لحماية المواطنين والمعتمرين وزوار المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، واتخذت سلسلة من القرارات الجريئة والمدروسة بعناية في إطار الحماية الصحية للمواطن والمقيم والزائر بلا تمييز أو تفرقة، حيث تواصل مساعيها لتطبيق أعلى مستويات التأهب والاحتياطات، بما يضمن تعاملا مثاليا مع الوباء، من خلال مجموعة من الخطوات الوقائية بتضافر أجهزة الدولة. وفيما وصلت عدد الحالات المصابة في السعودية إلى 5 حالات، جميعها لمواطنين زاروا إيران، انتقل التعامل إلى مرحلة أخرى من إدارة الأزمات، حيث اتخذت إجراءات احترازية إضافية عند المنافذ الحدودية للمملكة، تجاه الأشخاص الذين زاروا دولا موبوءة بالفايروس؛ تعزيزا لحماية صحة مواطنيها والمقيمين في أراضيها. السعودية تعاملت بأعلى درجات الشفافية منذ الإعلان عالميا عن فايروس كورونا حتى قبل تسجيلها أول إصابة، وستواصل في ذات النهج من الشفافية والإفصاح؛ كون سلامة قاطني المملكة من أولى أولويات القيادة.

وليس هناك رأيان أن الإجراءات الاحترازية والوقائية التي اتخذتها السعودية لمنع انتشار فايروس كورونا بين الراغبين في أداء مناسك العمرة أو الزيارة ودول مجلس التعاون مؤقتا؛ ما هي إلا لمصلحة الجميع، وواجبة لحفظ النفس، فضلا عن كبح جماح الفايروس ومنع تفشيه في المملكة، وتوخي الحذر واتباع كل التعليمات الوقائية، خصوصا أن المملكة أكدت أنه لا ينبغي الاستهانة بالمرض باعتبار أن ليس ثمة دولة واحدة بعيدة عن المرض، لأن الفايروس لا يحترم الحدود ولا يفرّق بين الأجناس والأعراق. وتعاملت المملكة باحترافية في مواجهة الأزمات الوبائية وفق سيناريوهات مدروسة وتم التعامل معها جميعا حسب المعطيات على الأرض، من ضمنها الاستعداد الاستباقي والتهيؤ المبكر، وهذا ما تم عبر الإيقاف المؤقت.

إن الإجراءات الاحترازية الجديدة التي اتخذتها المملكة تهدف للحد من تفشي الوباء. كما أن التنسيق التام بين الجهات السعودية المختصة مع نظيراتها في دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية والإسلامية والعالمية باعتبار أن فايروس كورونا وباء عالمي ولا توجد دولة بمنأى عنه مهما اتخذت من احتياطات.

غير أن التحدي في مواجهته يكمن في جعله بالحدود الدنيا من الانتشار من خلال التدابير الاحترازية القوية كالتي اتخذتها المملكة منذ وقت مبكر، كما أن التدابير المطبقة من قبل المملكة لرصد فايروس كورونا الجديد عند المعابر الحدودية، واحتواء أي حالة قد تظهر هي موضع تقدير دولي وفقا لبيانات الجهات الدولية المعنية. ويمكن التأكيد أن المملكة لديها خطط للتعامل مع كل الظروف وخبرة تراكمية في احتواء ومحاربة الأوبئة وعزلها، نظرا لتجاربها الطويلة في إدارة الحشود والحفاظ على أمنها، خصوصا أن فايروس كورونا المستجد قد لا تبدأ أعراضه بالظهور على الشخص المصاب إلا بعد 14 يوما، وهو ما يجعل من المواطنين الذين زاروا إيران خلال هذه الفترة أمام مسؤولية المسارعة للإفصاح عن سفرهم إلى هناك لتطبيق البروتوكولات الطبية بحقهم، وذلك لسلامتهم وسلامة ذويهم والمجتمع.. والمطلوب في الوقت نفسه على المواطنين والزائرين للمملكة التعامل بشفافية وعدم إخفاء المعلومات حفاظا عل سلامتهم الشخصية وسلامة عائلاتهم والمحيطين بهم.

السلطات الصحية لديها ولله الحمد من الخبرة والكفاءة ما يكفي لجعل فايروس كورونا في الحد الأدنى، حيث تعتمد أعلى معايير البروتوكولات الطبية المطبقة في حال ظهور الأوبئة أو الفايروسات. كما أن وزارة الصحة ترصد بشكل يومي التطورات حول فايروس كورونا الجديد وستواصل التعامل بشفافية مع الجمهور، كما ستستمر بحملات التوعية التي تستهدف كافة شرائح المجتمع، كما أن مختبراتها ومرافقها الصحية الخاصة بالعزل أو تنفيذ الفحوصات والإجراءات الطبية تعمل جميعها على أعلى مستوى.

ولا نستبعد أن يتم اكتشاف حالات أخرى لإصابات كورونا المستجد في السعودية وخصوصا بعد تسجيل 5 حالات، ولكن السلطات الصحية قادرة بإمكاناتها من حصر رقعة الانتشار، وتطبيق الإجراءات الصحيحة والسليمة على المصابين والمخالفين حتى يتم شفاؤهم بشكل كامل، خصوصا أن اتباع الطرق الاحترازية السليمة كفيل بإذن الله في تجنب الإصابة بالفايروس، وحتى مع تسجيل 5 إصابات في المملكة فالوضع لا يزال مطمئنا، كما أن تجنب تناقل الإشاعات مهم جدا لعدم إثارة الخوف والذعر، مع الاعتماد فقط على ما يصدر من حسابات وزارة الصحة الرسمية من بيانات.

والمملكة التي بذلت الغالي والرخيص خلال العقود الماضية لتسهيل مهمة الحجاج والمعتمرين والزائرين، لم تتردد في اتخاذ مثل هذا القرار الذي يعتبر من أجل مصلحة مواطنيها والزائرين وملايين المقيمين على أراضيها منذ عقود طويلة.

المملكة تعمل بصمت وهدوء، بعيدا عن الصخب، واهتمت بعمارة وتوسعة الحرمين الشريفين منذ عهد المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بلا كلل، إذ بذلت الحكومة السعودية جهودا جبارة لتوسعة الحرمين، مع ازدياد الحجاج والمعتمرين والزائرين من أجل توفير الراحة والطمأنينة لضيوف البيت الحرام، وسخرت منظومة صحية للحفاظ على أرواحهم وسلامتهم من أمراض وبائية وإيجاد الأجواء الصحية الآمنة لهم.

تخوض السعودية تجربة جديدة في إدارة الأزمات الوبائية وتتمحور في الشفافية لمواجهة وباء...«كورونا».. الذي لا يفرق بين الأجناس.. ولا حدود له.

تعقيم الحرمين.. وسلامة قاصديهما أولوية

لم تكتفِ المملكة باتخاذ الإجراءات الوقائية الاحترازية لمواجهة فايروس كورونا في المطارات والمنافذ، والمنع المؤقت لدول مجلس التعاون ومن الخارج فقط؛ بل اعتمدت إستراتيجية من خلال الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. استعدادات الرئاسة للتصدي لفايروس كورونا، وعمل خطة احترازية في المسجد الحرام، تتمثل في تكثيف التعقيم في كل أرجاء المسجد الحرام والحملات التوعوية للقاصدين وزيادة عدد مرات الغسيل في المسجد الحرام بنسبة 100% خلال اليوم، وتغيير سجاد المسجد الحرام بشكل دوري، وتعقيم السلالم بشكل مستمر، وزيادة عدد المعقمات وأدوات الغسيل.

الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ عبدالرحمن السديس أكد أن الرئاسة تعمل على مدار الساعة في الحرمين الشريفين ولا تألو جهدا للحفاظ على سلامة قاصدي الحرمين الشريفين، للتصدي للوباء العالمي.. مشيرا إلى أنه تم اتخاذ كل الاستعدادات الاحترازية داخل الحرمين الشريفين لتعقيمه بشكل متواصل وعمل خطة احترازية في المسجد الحرام، تتمثل في تكثيف التعقيم في كل أرجاء المسجد الحرام والحملات التوعوية للقاصدين، وزيادة عدد المعقمات وأدوات الغسيل. والمملكة التي بذلت الغالي والرخيص خلال العقود الماضية لتسهيل مهمة الحجاج والمعتمرين والزائرين، لم تتردد في اتخاذ مثل هذا القرار الذي يعتبر من أجل مصلحة مواطنيها والزائرين وملايين المقيمين على أراضيها منذ عقود طويلة.

المملكة تعمل بصمت وهدوء، بعيدا عن الصخب، واهتمت بعمارة وتوسعة الحرمين الشريفين منذ عهد المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بلا كلل، إذ بذلت الحكومة جهودا جبارة لتوسعة الحرمين، مع ازدياد الحجاج والمعتمرين والزائرين من أجل توفير الراحة والطمأنينة لضيوف البيت الحرام، وسخرت منظومة صحية للحفاظ على أرواحهم وسلامتهم من أمراض وبائية وإيجاد الأجواء الصحية الآمنة لهم.

لا للقلق.. نعم للتأهب

عندما وصل فايروس كورونا إلى المنطقة العربية، ودول خليجية، أثار حالة من القلق والخوف التي لم تجتح المنطقة فحسب، ففي ظل انتشاره السريع في العديد من دول العالم.. استنفرت الأجهزة الصحية في السعودية منذ اللحظة الأولى لانتشار الوباء، عبر المركز الوطني لإدارة الأزمات والكوارث الصحية، ليعمل على جمع وتحليل بيانات المستشفيات كافة في السعودية، واستعدادها؛ ليوفر المعلومات لمتخذي القرار من أجل بناء قراراتهم وفقا لها، والتنبؤ بالأزمات والكوارث قبل حدوثها والوقاية منها، وتصدر فايروس كورونا نشاطات المركز على مدار الـ٢٤ ساعة لضمان تعزيز الجهود المبذولة للحفاظ على صحة المواطنين والمقيمين وسلامتهم، والتعرف على آلية التعامل مع فايروس كورونا، والاستعدادات لمواجهة الأخطار والتحديات، في المركز الذي يعتبر «صمام أمان» الصحة في السعودية.. ويهدف المركز التابع لوزارة الصحة إلى توحيد البيانات والمعلومات في مختلف مناطق السعودية. وخلال موسم الحج تنتقل القيادات الصحية في السعودية إلى مكة المكرمة للإشراف على الحجاج، حيث تكون من مناطق الحشود التي تحتاج إلى وقاية وإدارة سابقة. ويعمل المركز على رصد، ثم تحليل الحالات التي تم رصدها والاستجابة لها، مثل معرفة المواد الطبية الأكثر طلبا، ونسبة مخزون وحدات الدم، وقياس نسبة حاجة المستشفيات إليها؛ لإمدادها بالدم قبل نفاده، إضافة إلى معرفة عدد الأسرّة الجاهزة للعزل، ويستقبل المركز البلاغات في المناطق الحساسة مثل المطارات، والوزارات، ومواقع المناسبات الرسمية، والمشاعر المقدسة، والمنشآت التعليمية من مدارس وجامعات، إضافة إلى الكوارث، والأحداث في التجمعات والحشود، أو الأحداث المتعلقة بأسلحة بيولوجية أو كيميائية. وفي إدارة الأزمات والكوارث في المركز، يوجد قاعة متخذي القرار التي يكون فيها فريق إدارة الأزمة، والتي من خلالها تتم إدارة الأزمات والكوارث وفقا لمستوى الحالة، حيث تقسم الحالات إلى خمسة مستويات. يدير الحدث في المستوى الأول مساعد مدير إدارة الكوارث والنقل الإسعافي، وتصاعديا حتى المرحلة الخامسة التي يديرها وزير الصحة. أما الموقع الآخر فهو غرفة العمليات، التي تجمع فريقا يعمل على رصد وجمع وتحليل البيانات عبر أجهزة وشاشات ضخمة، ثم يرفع التقرير للتعامل مع الأزمة أو التنبؤ بها قبل حدوثها.

قم.. عامل مشترك لقدوم كورونا

قد لا يكون صدفة أن تكون إيران هي العنصر المشترك في كل الإصابات التي سجلتها دول الخليج، وهو ما يجعل من السفر إليها مغامرة محفوفة بالمخاطر العالية، فضلًا عن أن السفر إليها مخالفة نظامية، وبالتالي فالامتناع عن زيارتها هو واجب أخلاقي قبل أن يكون واجبا وطنيا. ومن العراق إلى لبنان مرورا بالكويت والبحرين وانتهاء بعمان، جميع هذه الدول لديها عامل مشترك واحد يتمثل في مدينة قم التي تعتبر مركز تفشي وباء كورونا المستجد في إيران ودول المنطقة. وقد لا يكون صدفة أن معظم الذين توفوا في إيران هم من كبار المسؤولين وأعضاء البرلمان وتحولت إيران إلى ثاني أكبر بؤرة تفشٍ للفيروس بعد الصين، وأكبر مصدر للفيروس في المنطقة، رغم نفي السلطات حجم المشكلة التي تواجهها إلا أن أعداد الإصابات والوفيات تشهد ارتفاعا ملحوظا مع مرور الأيام. أثار هذا الإعلان الشكوك بشأن حقيقة ما يجري في مدينة قم، لتتوالى بعدها التكهنات نتيجة ارتفاع حالات الوفيات الناجمة عن كورونا المستجد في إيران. عدم شفافية طهران في التعامل مع ملف فايروس كورونا، لم يؤثر على مواطنيها فقط، بل تعداه إلى دول الجوار والمنطقة، التي عاد مواطنوها من إيران إلى بلادهم وهم يحملون الفايروس.