«تاريخ طرابلس» و«المنهل العذب» من أبرز مراجع التاريخ الليبي في العهد العثماني التي تعرضت لإملاءات ولاة بني عثمان.
«تاريخ طرابلس» و«المنهل العذب» من أبرز مراجع التاريخ الليبي في العهد العثماني التي تعرضت لإملاءات ولاة بني عثمان.
المؤرخ الليبي الشيخ الطاهر الزاوي
المؤرخ الليبي الشيخ الطاهر الزاوي
خالد طاشكندي
خالد طاشكندي


-A +A
تحقيق: خالد عباس طاشكندي KhalidTashkndi@
ضمن مساعي «العصملي الجديد» المضنية والفوضوية لشرعنة تدخله العسكري في ليبيا، واستعادة التاريخ الذي سيطر خلاله الأجداد على الشمال الأفريقي، حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان دغدغة مشاعر الليبيين من ذوي الجذور التركية، في كلمة ألقاها أخيراً أمام حشد من أتباعه، قال خلالها: «الزعيم كمال أتاتورك كان مقاتلاً في الجيش العثماني في ليبيا، وكان يكافح هناك في الجبهات؛ لذا يجب علينا اليوم أن نتواجد هناك ونقاتل أيضاً، لدينا مليون تركي يعيشون في ليبيا»، إلاّ أن ما ذكره كشف انسياقه خلف الطروحات التاريخية المؤدلجة التي نقلها مؤرخو البلاط العثماني عن عهود الاحتلال العثماني لليبيا بالاستناد على المغالطات والأكاذيب وتزوير التاريخ لشرعنة أسباب تواجد العثمانيين الأوائل في ليبيا وتلميع صورتهم، والتي تم تفنيدها لاحقاً وتنقيحها منهجياً وعلمياً، بأقلام عدد من المؤرخين الوطنيين من أبناء ليبيا بعد الخلاص من حقب الاستبداد العثماني، وبالتالي فتح الرئيس التركي الباب على مصراعيه أمام إعادة النبش في الحقائق التاريخية وإحياء ذاكرة تاريخ ليبيا إبان حقب الاحتلال العثماني الثلاث (الاحتلال العثماني الأول، وحكم القرمانلي، ثم عهد احتلال الاتحاديين)، التي استمرت مجملاً لنحو 360 عاماً، من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية العقد الأول من القرن العشرين، وذاق خلالها الشعب الليبي شتى أنواع الظلم والقهر والاستبداد، على يد الأتراك العثمانيين الذين سيطروا على ليبيا لأكثر من 3 قرون من خلال: «قطع رؤوس العرب كسنة تركية في حروبهم مع الطرابلسيين، وأفظع من هذا سلخهم وحشو جلودهم وقتلهم بالخوازيق حتى حلوقهم. وما دروا أن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح، ولكنه الحقد للعرب والتجرد من المميزات الإنسانية»، وهو الوصف الذي أوجزه الطيب الشريف والعربي الشريف نقلاً عن سيرة المؤرخ الليبي المعروف الشيخ طاهر الزاوي الذي عاصر المراحل الأخيرة من التاريخ العثماني، وكانت طروحاته من أبرز الشواهد على تلك الحقب العثمانية الإجرامية في ليبيا.

بداية، كان أبرز وأهم من تناول التاريخ الليبي خلال حقبة الاحتلال العثماني ثلاثة من المؤرخين الليبيين؛ الأول هو أبوعبدالله محمد بن غلبون عبر كتابه (التذكار فيمن ملك طرابلس) الصادر في العقد الرابع من القرن الثامن عشر، وألفه بطلب من والي طرابلس أحمد باشا القرمانلي الذي كان ضابطا انكشاريا في إقليم طرابلس ثم قام بقتل الحاكم العثماني عام 1711 ليصبح الوالي العثماني بين عامي 1711-1745 وجعل حكمه وراثيا لأسرته التي حكمت حتى 1835، وتناول كتاب ابن غلبون تاريخ ليبيا بين الفتح الإسلامي وحتى ثلاثينات القرن الثامن عشر، أما المؤرخ الثاني فهو أحمد النائب الأنصاري من خلال مؤلفه (المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب) الذي طبع في الأستانة عاصمة الدولة العثمانية أواخر القرن التاسع عشر، ثم أتى من بعدهما المؤرخ الشيخ الطاهر الزاوي الذي ولد أواخر القرن التاسع عشر وعاصر نهاية حقبة العثمانيين في ليبيا، وقام بتصحيح وتنقيح وإعادة كتابة ما طرحه سلفاه «ابن غلبون» «وأحمد النائب» بأسلوب علمي حصيف عبر سلسلة من المؤلفات تعد أبرز المراجع التاريخية وأنقاها حول الحقبة العثمانية، وذلك بسبب إدراك الزاوي للملابسات والظروف التي نشأ فيها المؤرخان ابن غلبون وأحمد النائب ووقوعهما تحت طائلة التأثير الإيديولوجي المؤكد من قبل المحتل العثماني، وهذه الأسماء الثلاثة كأبرز مؤرخي التاريخ الليبي إبان حقب الاحتلال العثماني يتفق عليها الكثير من الباحثين والأكاديميين الليبيين المتخصصين في التاريخ الليبي، من بينهم طروحات الدكتور صديق بشر نصر عن التاريخ الليبي وأستاذ التاريخ بجامعة الزاوية الأستاذ الدكتور فاتح قدارة من خلال مبحثه الثري (التاريخ العثماني في آثار الطاهر الزاوي)، وهي دراسة علمية فاحصة صدرت في 2013 حول أبرز مؤرخي تلك الحقب.

أبرز مؤرخي الحقب العثمانية في ليبيا

ومن أبرز التصويبات التي أجراها المؤرخ الطاهر الزاوي، هي تفنيد رواية ابن غلبون التي قال فيها إن أهالي طرابلس الغرب «انتدبوا جماعة من أهل تاجوراء وركبوا شينياً (السفينة الحربية) وتوجهوا لصاحب القسطنطينية (الأستانة) يطلبون منه إعانة» (ابن غلبون، كتاب التذكار، ص 93)، وهي الرواية التي تعد تمهيداً تأسيسياً لشرعنة الحكم العثماني لليبيا، واستند إليها الكثير من المؤرخين الأتراك لإعطاء مشروعية للتدخل العثماني الغاشم في ليبيا، إلا أن المؤرخ الزاوي كذبها لعدم وجود أدلة تاريخية توثق صحتها، وأوضح في تقييمه للرواية: «ومما يشكك في صحة رواية هذا الوفد أن الأسطول العثماني كان موجوداً في البحر الأبيض، وأن القواد العثمانيين كانوا يحاربون في الشمال الأفريقي وفي تاجوراء وهذا ما يجعل النجدة قريبة، توفر على الطرابلسيين مشقة السفر إلى الأستانة» (الطاهر الزاوي، تاريخ الفتح العربي في ليبيا، ص387)، ومن الواضح أن ابن غلبون تأثر بشكل أو بآخر بالعلاقة التي جمعته بالحاكم العثماني آنذاك أحمد القرمانلي مؤسس مرحلة حكم الأسرة القرامنلية بعد استيلائه على السلطة، وحاول خلال تلك الحقبة تبرير انقلابه بأنه عملية إنقاذ لليبيا من أوضاعها السيئة، بينما في الحقيقة كان القرمانلي شريكاً أساسياً في ما آلت إليه الأوضاع من فساد وظلم، وبما أن القرمانلي باشا طلب من ابن غلبون كتابة التاريخ الليبي وتسليط الضوء على عهده، فالأرجح أنه أملى أو فرض عليه أن يلمع صورته.

منقذ التاريخ الليبي من التزوير

وكان سبب تأليف ابن غلبون لكتابه «التذكار» يعود إلى الوزير المغربي الجيلاني الإسحاقي الشرقي الذي مر بطرابلس حاجاً في عام 1731م، وبعد عودته إلى بلاده ألف كتاباً عن رحلته إلى الحج، ذم فيها محطة طرابلس وانتقد أهلها، فطلب الوالي العثماني آنذاك أحمد باشا القرمانلي من المؤرخ الشيخ محمد بن خليل بن غلبون تأليف تاريخ لطرابلس، فقام ابن غلبون بذلك من خلال كتابه الشهير (التذكار فيمن ملك طرابلس ومن كان بها من الأخيار)، وتناول فيه تاريخ ليبيا بين الفتح الإسلامي وحتى ثلاثينات القرن الثامن عشر، ودون التاريخ الليبي حتى عام 1145 هـ، وضمن في الكتاب سير لـ 34 شخصية من أبرز العلماء والأدباء، ولكن من الأمثلة التي تدل على المآخذ السلبية حول ما أرخه ابن غلبون هي تلقيبه للحاكم العثماني أحمد القرمانلي بـ «أمير المؤمنين» بحسب ما ذكره في مواضع عدة في كتابه «التذكار» (ص162-164)، وقد خصه فقط بهذا اللقب دون من تقدمه من الولاة الآخرين، وهي من الملاحظات المهمة التي أبداها الطاهر الزاوي على ابن غلبون وعلاقته بالحاكم وتأثيره على دقة المحتوى، ورغم وجود هذه المغالطات يظل كتاب «التذكار» وخصوصاً بعد تنقيحه يعد أهم وأقدم مصادر التاريخ في ليبيا، ويعرفنا بفترات تاريخية كانت مجهولة في المراجع التاريخية لولا هذا الكتاب، ولذلك هو مصدر ذو أهمية كبيرة جداً.

تلميع الوالي القرمانلي

أما بالنسبة للمؤرخ الآخر، أحمد النائب الأنصاري، الذي عاصر الاحتلال العثماني لليبيا خلال حقبة عبدالحميد الثاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان كتابه (المنهل العذب) مرجعاً غنياً بالمعلومات الثرية عن التاريخ الليبي، إلا أنه شابه الكثير من المغالطات غير الصحيحة التي فندها وصوبها المؤرخ الزاوي لاحقاً، ومن أبرزها ما أورده المؤرخ النائب عن الثورات والانتفاضات المحلية في ليبيا والتي تماهى فيها مع وجهة نظر العثمانيين، التي اعتبرها الزاوي اتقاء منه لدفع شر العثمانيين وتحسباً من بطشهم؛ ولذلك التمس له العذر، خصوصاً أن الكتاب رخصته نظارة المعارف العثمانية وطبع في الأستانة، وفي مرحلة عرفت بـ «الاستبداد الحميدي»، إذ إن السلطان عبدالحميد الثاني وصل إلى سدة الحكم بدعاوى الإصلاح وتطوير وإنقاذ «دولة الرجل المريض» التي شاخت وأوشكت على الانهيار، إلا أنه عقب وصوله للحكم بخلع عمه عبدالعزيز، ملأ السجون بكل من لديه أفكار إصلاحية ولاحق جميع المصلحين، واستبدل الإصلاح الذي وعد به بالاستبداد، وأصدر قرارات شلت حرية الإعلام ونشر المطبوعات، لدرجة أنه حظر وجرم استعمال قائمة طويلة من المصطلحات، مثل: «الحرية، الاستقلال، الدستور، الديمقراطية».

وبالرغم من أن الإمبراطورية العثمانية جمعت بين القوميات التي وقعت تحت سيطرتها تحت مظلة الدين كرابط رئيس لهذا الوجود، إلا أن التنافر والتضاد بين القومية العربية والتركية كان واضحاً، ومن ضمنهم الليبيون العرب والأتراك، خصوصاً في القرن التاسع عشر، ومن الأمثلة على ذلك رسالة الشيخ غومة المحمودي، المولود أواخر القرن الثامن عشر، إلى السلطان عبدالمجيد عام 1858 الموثقة في كتاب (انهيار الأسرة القرمانلية، ص 539) وتوضح الصورة ذلك التنافر بين القوميات، وينتسب الشيخ غومة المحمودي إلى قبيلة أولاد المرموري من قبائل المحاميد، وفي منطقة الحوض داخل بيت توارث السيادة على منطقة جنوب غرب طرابلس منذ القرن الخامس الهجري، وتحالف أجداده منذ القرن الثامن عشر الميلادي مع حكام السلطنة العثمانية من الأسرة القرمانلية التي استقلت بولاية طرابلس الغرب عن العثمانيين واكتفت بإبداء الولاء ودفع الجزية، وشهدت ليبيا في تلك الحقبة تطوراً إيجابياً على الصعيد الاقتصادي، بعد أن قدم التعاون العربي القرمانلي ضماناً ببقاء ثروات البلاد في أيدي أصحابها دون تدخل قسري من الأتراك كما كان الوضع عليه خلال حقبة الاحتلال العثماني الأول لليبيا (1551-1711).

ثم شهدت ثلاثينات القرن التاسع عشر تحولاً مهماً في سياسات العثمانيين تجاه العرب، إذ عمد السلطان محمود الثاني إلى إعادة المركزية بالقوة إلى الولايات المستقلة، ففي 1835 تمكن الأسطول التركي بقيادة مصطفى نجيب باشا من إنهاء حكم الأسرة القرمانلية وطرد آخر الحكام القرمانليين آنذاك وهو علي باشا القرمانلي، وكان نجيب باشا ملماً بالعلاقة الوطيدة بين المحاميد والوالي القرمانلي المخلوع؛ لذلك زج بهم في السجون حتى تسيطر الدولة العثمانية على ليبيا دون وجود أي معارضين، وتم ذلك بحيلة خبيثة، إذ أقام نجيب باشا حفلاً لتنصيبه، ودعا الشيخ غومة المحمودي وزعماء قبيلة المحاميد لمبايعة السلطان وقبض عليهم جميعاً بعد حضورهم، فثار العرب في الجبل الغربي على عملية الغدر وأرغموا السلطان في إسطنبول أن يصدر أمراً بعزل مصطفى نجيب ويعين والياً جديداً هو محمد رائف باشا، والذي بدوره حاول التهدئة بإخلاء سبيل الشيخ غومة المحمودي لضمان إعلان ولائه له، ولكن الشيخ المحمودي كان مدركاً بأن الأتراك غدارون، وبالتالي هادنهم مؤقتاً حتى استطاع استجماع قوته بعد خروجه من السجن وقام بإشعال ثورة مطالباً بأن يحصل العرب على الحكم الذاتي، ورفض الخضوع إلى موظفين مبعوثين من العاصمة العثمانية الأستانة، وسعى المحمودي لإعادة القرمانلي للحكم أملاً في الخلاص من بطش العثمانيين، وباعتباره «أهون الشرين»، ولكن لم ينتظر الوالي رائف باشا مشاهدة عودة التحالف القرمانلي العربي في تاجوراء قوة، فهجم على المدينة بالمدافع وانتصر بعد أن ألحق ضرراً بالغاً بأهالي تاجوراء، إذ خربت الأسوار نهائياً ونهبت المتاجر، ثم عزل الباب الوالي رائف وعين بدلاً عنه أمير البحر طاهر باشا والياً على طرابلس، وبدأ بالعمل بأسلوب دبلوماسية العثمانيين من خلال إرسال خطابات إلى مشايخ العرب يطلب منهم تقديم الطاعة وهددهم بالقتال حال الرفض، ولكن عاود الشيخ غومة المحمودي رفضه للتهديد والوعيد العثماني، فوقعت المعركة الأولى عام 1836 التي خسرها بسبب التفوق العثماني في العتاد، ولكنه لم يستسلم، وخاض 28 معركة ضد طاهر باشا أبرزها معركة «غريان» التي انتصر فيها المحاميد على العثمانيين وأجبرهم في نهاية المطاف على عقد الصلح، وعزل الباشا من منصبه في 1837 بسبب فشله في إخماد الثورة، وتولى بدلاً منه حسين الجشملي، ثم عزل أيضاً وتبعه علي عشقر الذي اتبع سياسة ودية مع الليبيين بشكل مؤقت، ثم استأنف المعارك عام 1839 لعدم دفع المشايخ أموال الجباية للعثمانيين، واستغرقت الحملة العثمانية الجديدة ستة أشهر حتى سيطرت على الأوضاع مجدداً.

احتلال أم استعمار أم ماذا ؟

وفي سياق متصل بحقبة العثمانيين، عقَّب المؤرخ الزاوي على توصيف المؤرخ الإنجليزي الرائد جوزيف كاكيا لمرحلة الحكم العثماني في ليبيا بـ «الاحتلال»، مبرراً بأن ما دفعه لذلك: «هو ذلك الأمن المختل في البلاد، ونظام الحكم الفاسد المبني على العنصرية والاستغلال وانصراف الترك إلى ملء جيوبهم وإشباع شهواتهم وترك البلاد للفقر، والجهل، والمرض»، ووصف الزاوي حالة الحكم العثماني في ليبيا بأنه: «لا يعين والٍ عثماني في طرابلس، أو يعزل إلا بواسطة الثـورة، والقتل»، معتبراً أن هذه هي السمة السائدة في عهد الاحتلال العثماني الأول (1551-1711)، والحكم القرمانلي (1711-1745)، (الطاهر الزاوي، ولاة طرابلس، ص 266)، وحمل حكومة «الباب العالي» في الأستانة مسؤولية الفوضى والمآسي والإهمال التي أصابت الليبيين من جراء تلك النزاعات الدموية بين الولاة، والفظائع التي ارتكبها جنود الانكشارية في حق الليبيين، ويخلص إلى توصيف تلك الأوضاع، بقوله:«...وما زال الجنود يولون ويعزلون، وحكومة الأستانة واقفة موقف المتفرج، والفوضى ضاربة أطنابها في طرابلس»، وأفاد المؤرخ الزاوي بأن هذه الفوضى العثمانية أوصلت بائع قهوة وترزي وعدد من أصحاب الحرف البسيطة في بلدهم الأم إلى منصب «والي» ليبيا، أكبر وظيفة فيما بين حدود مصر وتـونس، وقبله كان الترزي وغيرهما كثير من محترفي المهن التي لا تتفق مع عظمة المناصب الكبيرة. (كتاب: ولاة طرابلس، ص 178- 209).

عشرات الولاة في 25 عاماً!

واعتبر الباحث الأكاديمي فاتح قدارة في مبحثه (العثمانية في آثار الزاوي، ص 17-18)، أن جهود المؤرخ الشيخ طاهر الزاوي قدمت تحليلاً بارزاً ومنطقياً حول أسباب سوء الحكم العثماني لليبيا، والتي عزاها إلى: «كثرة تعاقب الولاة العثمانيين على الحكم، والصراعات على الحكم بحثاً عن المنافع التي أدت إلى نهايات مأساوية لأولئك الحكام، إذ وثق الزاوي تحليله بالشواهد التاريخية، ومن بينها ما حدث خلال العهد العثماني في المرحلة ما بين عهدي الوالي عثمان باشا وحتى عهد الوالي محمد نظيف باشا (من 1855 إلى 1881)، إذ تولى خلالها 15 والياً في 25 عاماً، جميعهم أتوا موفدين من الباب العالي في الأستانة، في مدة 25 عاماً، وأكثرهم حكم ليبيا لأشهر عدة فقط، ومن بينهم من حكم لأيام فقط ثم يأمر الباب العالي بعزله، وهذه الحالة من عدم الاستقرار سببها الفساد المالي والإداري والصراع على السلطة الذي كان أشبه بالصراع على تركة منهوبة، وأصبح الهدف الرئيس من الوصول للسلطة هو كسب المنافع المادية وليس الإصلاح، وهو ما أفضى إلى حالة الفساد الإداري والتخلف التي عمت أرجاء ليبيا في أغلب حقب العهد العثماني، ويتسق هذا الطرح تماماً مع الغالبية العظمى من الدراسات التاريخية العلمية التي اهتمت بوصف ودراسة سلوك الحكم العثماني، والتي انصبت محصلتها في الحكم العثماني في ليبيا على مدى 360 عاماً انصب في أمرين أساسيين: تثبيت وجود العثمانيين في السلطة، وجباية الضريبة.

وتفسيراً لأسباب كثرة تعيينات واستبعاد الباب العالي للولاة على ليبيا، هي المصالح المادية، إذ يؤكد المؤرخ الزاوي أن منصب الوالي على ليبيا كان يعرض للبيع والشراء، قائلاً: «فمن رسا عليه المزاد فاز بالصفقة، وعين والياً على طرابلس»، مضيفاً أن الأوضاع السيئة التي آلت إليها ليبيا خلال العهد العثماني تتمثل في استخدام السلطات العثمانية في الأستانة ليبيا كوجهة منفى للمشاغبين أو الخطرين على الأمن، الذين يخشون وجودهم في البلاد التركية، وتترك لهم الحبل على الغارب، يتصرفون فـي البلاد وأهلها بما يملأ جيوبهم ويوفر لهم ما يشبع شهواتهم ولا يخافون رقيباً، وختم المؤرخ الزاوي توصيفاته لفترة الحكم العثماني على ليبيا بقوله: «لم يرَ فيها الليبيون من آثار الحكم الصالح ما يحملهم على ذكره بخير»... وهذا هو الوصف الشامل لتلك الحقبة الشنيعة من 1551 إلى 1911 التي يحاول الرئيس التركي الحالي رجب أردوغان استعادتها.