هجر أدباء ومثقفون وأكاديميون سعوديون متخصصون في الأدب والنقد هموم القصة والرواية والشعر، واتجهوا لنقد الأفلام والمسلسلات.

المتابع لكثير من هؤلاء في وسائل التواصل وخصوصاً «تويتر» يظنّ أنّ هذا الانتقال بات يشكل ظاهرة، لكثرة التوصيات والمتابعات والتعليقات التي تأخذ طابعاً نقدياً لا يخلو من الثقة والجزم بالصحة والوجاهة في الغالب!

هذا الانتقال جعلنا نطرح السؤال عن هذا التحول من متابعة ونقد القصة والرواية والقصيدة إلى نقد الأفلام والمسلسلات؟ وهل لصعوبة القراءة في كتاب وملاحقة الأعمال الإبداعية دور في هذا التحوّل؟ وهل نقد الأديب لهذه الأعمال الفنية التي يتعامل معها بأدوات النقد الأدبي تأثير في النقد الفنّي؟ وما المشكلات التي يمكن أن يحدثها هذا النقد؟

الكاتب والباحث وحيد الغامدي لم يتحفظ على هذه الممارسة، ورأى أن المبالغة في الفصل بين السياقات مزعج جداً. وأضاف: الأفلام والمسلسلات في الأصل هي قصص، ولكن يبقى تناول الشأن الفني فيها هو الذي يفترض أن يكون تخصصياً. وأكد أنّ دلالة هذا الانتقال تشير إلى مقدار ما وصله زحف السينما في هذه المرحلة على مكانة الكتاب، وأنه وصل للعمق!

الفنان والمخرج أسامة خالد القس رأى أنّ الحركة النقدية مهمة لتطوير الدراما على مستوى النص أو الموسيقى أو التشكيل، في ظل ندرة النقاد المتخصصين في مجال السينما و الدراما. وأضاف: هذا النقد سيظل تنظيرياً منقوصاً، في كلّ الأوقات ما لم يتوغّل الناقد في أعماق الصناعة؛ ليكون رأيه واقعيا و دقيقا.

أما القاص والروائي طاهر الزهراني فقد رأى أنّ متابعة الأفلام أسهل وأكثر إغراء من قراءة كتاب لأسباب عدة. وأضاف: من خلال متابعتي للوسط السينمائي، فهو لا يلتفت أبداً لأيّ نقد من خارج وسطه، ولا يريد. وأكد أنّ هذا الوسط لا يستفيد -ولا يريد أيضاً- من أعمال سردية، وإن فعل، فهو لا يتنازل لمخاطبة أصحابها!

المشرف على لجنة شرورة الثقافية التابعة لنادي نجران الأدبي الأديب لاحق عسيري أكد أنّ الفنّ استطاع اختطاف الأدب أخيراً، وهذا ما نلاحظه جميعاً في وسائل التواصل الاجتماعي، بل إن الذائقة الفنية لدى الكثير من العامة والمشاهدين اليوم أصبحت ذائقة عالية جداً، وشبه احترافية.

ورأى أن هذا التحول الفني للأديب والمثقف -بصفته ناقداً- هو انعكاس لحضور أعمال فنية قوية متطورة وجديرة بالحضور في الأوساط الأدبية والثقافية عموماً. وتابع: حضور هذه الأعمال في منصات عالمية شهيرة أو حصولها على جوائز محلية وعربية في مهرجانات سينمائية مختلفة كان سبباً في نجاحها، وهذا ينسب لجيل شبابي متقد ومسببات أخرى قد يطول الحديث عنها. وأضاف: الفراغ الذي أحدثه شح وندرة وربما غياب الناقد الفني المتخصص للأعمال الفنية والسينمائية دفع بالأديب لملء هذا الفراغ، الذي يبدو أنه سيكون مؤقتاً برغم تقاطع الأدب بالفن.

وتمنى لاحق خروج الناقد الفني المتخصص من رحم هذه الأعمال الفنية الرصينة، لأنّ دور الأديب هنا سيتلاشى حتماً أو يُختزل على الجوانب الأدبية للعمل، مع أهمية المحافظة على اللغة الأدبية والحس الأدبي في العمل الفني، وألاّ تختطف التقنيات والمؤثرات الفنية ذلك أو تغيبه.

فيما رأى الكاتب والصحفي الثقافي أحمد العيّاد أنّ انتقال المثقفين والأدباء السعوديين لنقد الأفلام والمسلسلات يأتي في أغلبه على شكل أحاديث «تويترية» بمعنى أننا لا نشاهد مراجعات نقدية حقيقية لهذه الأعمال الفنيّة سواء أكانت دراما أو سينما. وأضاف: يجب الإشارة هنا إلى قلة المقالات النقدية للأعمال الفنية؛ لأن مثل هذه المقالات وهذه المراجعات هي توثيق مهم لهذه الأعمال الفنية.

وأكد العياد أنّ المثقف والأديب يحاولان القرب من الرأي المجتمعي والعمل على التقاطع مع جمع من المغردين للحديث في نفس المواضيع التي تناقش في تويتر خاصة، الذي هو أشبه بديوانية تجمع أطياف المجتمع السعودي.

العياد لا يرى إشكالية في هذا الطرح، لكنه يشترط أن تخلو هذه الآراء من الفوقية والاستعلاء؛ لأن الأذواق تختلف إضافة إلى أنّ هناك العديد من المشاهدين الخبراء بالفن والدراما أكثر بكثير من العديد من المثقفين ومن العاملين في الفن.

ويختم العياد رأيه بالتأكيد على أهمية وجود الآراء تجاه الأعمال الفنية ووجود النقد الجاد الحقيقي البعيد كل البعد عن المجاملات؛ لأنّ انتشار الأعمال السعودية من دراما وسينما أصبح يتطلب مثل هذه النقاشات والمراجعات سواء كانت مكتوبة أو مشاهدة، ولأنها تعدّ جزءاً أساسياً في التوثيق لهذه العملية الفنية.