أحمد
آل فايع
أحمد آل فايع




خالد
 الكريري
خالد الكريري


-A +A
علي فايع (أبها) alma3e@
بعد الجدل الذي دار وما زال يدور حول كتاب الدكتور علي الصميلي عن تاريخ «أبو مسمار»، والتهمة التي وجهت له بتعمده إسقاط كلمة «دولة» من عنوان الكتاب الذي حققه، وتناولته «عكاظ» في عدد سابق تحت عنوان (إسقاط كلمة «دولة» يشعل جدلاً تاريخياً حول «أبو مسمار»).

أوضح عدد من المختصين في التاريخ أنّ هناك فرقاً كبيراً بين التأليف والتحقيق حيث أكد لـ«عكاظ» الدكتور علي عوض آل قطب أن الاختلاف بينهما يعود إلى أصول وقواعد وتقنيات كل عملٍ منهما، وربما يبدو التأليف بأصوله وقواعده وتقنياته معروفاً لدى الجميع، لكن لعل الذي يخفى على الكثير هو التحقيق، والحال أن التحقيق يمكن تعريفه بأنه إخراج الكتاب على حقيقته، التي أرادها المؤلف وارتضاها لكتابه، ويهدف علم تحقيق النصوص -أياً كانت- إلى تقديم نصٍ مطابق لما كتَبَهُ مؤلفه، وتوثيقه نسبةً ومادةً، والعناية بضبطه، وتوضيح دلالاته التي قصدها مؤلفه، ويضيف بأن المحققين يتفقون على أن المحافظة على النص من أولى الواجبات التي ينبغي أن يلتزم بها المحقق، وأن يكون متحرزاً من الحذف أو الإضافة، بحيث لا يُسمح له أن يضيف شيئا إلى النص إلا لتوضيح عبارة لا تتضح إلا بهذه الزيادة، مع الإشارة في الهامش إلى ما طرأ على النص من زيادة. وبين آل قطب أن ضبط النص كما ورد واجب على المحقق ينبغي أن يؤديه، وألا يغير منه شيئاً، ولا أن يبدّله، ففي ذلك عدوان على المؤلف، وجناية علمية صارخة.

وأكد أن هذا هو المذهب المعتمد في تحقيق نصوص الكتب، وعليه فالالتزام بعناوين الكتب التي اختارها مؤلفوها من باب أولى.

وفي ما يخص كتاب «نفح العود في أيام الشريف حمود»، فقد أكد آل قطب التزام الدكتور علي الصميلي بما التزم به أربابُ الصنعة في التحقيق، حيث أخذ بالعنوان الوارد في النسخ المخطوطة، ولم يأخذ باجتهاد الشيخ محمد العقيلي في تحقيقه الذي أخطأ، وتجاوز فيه أدبيات التحقيق حين عمد إلى تعديل العنوان وتبديله بـ«نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود».

ومن يطّلع على مقدمة نفح العود في النسخة المطبوعة التي حققها العقيلي، سيجد أن عنوان المخطوط مُثبتُ لفظاً، كما أثبته الدكتور الصميلي، لا كما أثبته العقيلي في طرّة الكتاب، وبالتالي فإن ما أثبته الدكتور الصميلي هو الصحيح، وهو المتسق مع أصول التحقيق وقواعده، بل إن أحد المحققين الكبار يذهب إلى أن تغيير العنوان الأصلي للكتاب، أو تعديل بعض ألفاظه، لكي يبدو أجل قدراً ليس إلا تزييفاً متعمداً، وخطأً علمياً جسيماً! (عبد السلام هارون، تحقيق النصوص وضبطها، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط7، 1418هـ /‏ 1998م، ص44).

ويضيف آل قطب أنّ ما ينبغي تأكيده أن إثبات لفظة (دولة) أو نفيها لا يقلّل مطلقاً من مكانة الشريف حمود التاريخية، فالمسألة لا علاقة لها بالموقف من هذه الشخصية التاريخية الكبيرة ولا من حجم نفوذه السياسي، وإنما المسألة كل المسألة تتعلق بالعنوان الذي وضعه البهكلي لكتابه، وطالما أن العنوان في النسخ المخطوطة وفي مقدمة الكتاب لم يرد فيه لفظة (دولة) لذلك فإن إثباتها ليس إلا نوعاً من أنواع التزييف، لا تقرّه أصول التحقيق، وهو ما وقع فيه العقيلي يرحمه الله، وتحرز منه الدكتور الصميلي!

فيما أكد الدكتور خالد الكريري أن الدكتور علي الصميلي أعاد تحقيق كتاب نفح العود عام 1433هـ، ونشره عن دارة الملك عبدالعزيز، معتمداً على 4 نسخ ومتخذاً من نسخة قسم المخطوطات بدارة الملك عبدالعزيز أصلاً لتحقيق النص الذي ظهر معنوناً بـ«نفح العود في أيام الشريف حمود». وأضاف: من الملاحظ أن الدكتور الصميلي قد أثبت العنوان من خلال ما أثبته عاكش في مقدمة نفح العود التي كتبها نتيجة خلوه من مقدمة مؤلفه الأصلي، وكذلك اعتماده على إشارات عاكش في مؤلفاته الأخرى التي تطابقت مع العنوان، وكان في ذلك متحلياً بالمنهجية العلمية.

وتمنى الكريري على الدكتور الصميلي أنه وقف قليلاً مع تحقيق شيخنا العقيلي وأن يدلي برأيه حول تلك الأسباب المتعلقة برسم مفردة «الدولة»، إضافة إلى أن الكتاب لم يتضمن صوراً لنسخ التحقيق، وكان من الأولى إدراجها قبل النص المحقق.

ونظراً لما حدث مؤخراً من ردود في بعض مواقع التواصل الاجتماعي التي وصلت إلى النيل من شخص الدكتور الصميلي نتيجة مخالفته عنوان الشيخ العقيلي، فإن الأمانة العلمية تقتضي القول إن الدكتور علي الصميلي لم يجانب الصواب في رسم العنوان، وإن تحقيقه جاء على نحو منهجي علمي صارم لا يسعنا معه إلا أن نقدم له الشكر تلو الشكر، والتقدير كل التقدير على جهوده في خدمة تاريخ الوطن وتراثه.

وأكد الكريري أن الشيخ محمد بن أحمد العقيلي، يرحمه الله، أول من قام بتحقيق كتاب نفح العود ونشره عن دارة الملك عبدالعزيز سنة 1402هـ، ثم قام بطبعه مرة أخرى سنة 1406هـ عن مطابع جازان، علماً أنه اعتمد في تحقيقه على 3 نسخ لم يشر إلى عناوينها. كما أن من الملاحظ على العنوان الذي وضعه الشيخ العقيلي أنه كان يحمل مسمى «نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود»، وهو عنوان مغاير بعض الشيء مقارنة بما نص عليه عاكش في مقدمة الكتاب، وربما كان لرسم مفردة «دولة» أسباب اجتهادية من لدن الشيخ العقيلي، وهي ما يمكن إبرازها في اعتقاد الشيخ العقيلي بدولة الشريف حمود، خاصة

أن مقومات الدولة قد توافرت في الشريف حمود، ومنها سك العملة واتساع البلاد ووضوح حدودها الجغرافية، ناهيك عن فرض الأمن واستتبابه وتشييد القلاع والجوامع وأسوار المدن، إضافة إلى أخذه مفردة «الدولة» عمن سبقه من مؤرخي المخلاف كالعمودي الذي وصف سيرة الشريف حمود بالدولة (انظر العمودي: اللامع اليماني: فصل استقلال الشريف حمود)، على أنه ينبغي الإشارة إلى أن اجتهاد الشيخ العقيلي لا يُقلل من شأنه مطلقاً، فهو أحد أبرز مؤرخي الوطن الكبار الذين أثروا مكتباتنا بمؤلفات ضخمة لم تقتصر على حقل التاريخ فقط، إنما تجاوزته لحقول متعددة، كالجغرافيا والأدب والآثار.

وأضاف الكريري أن الدكتور فؤاد الشامي قدم أطروحته للماجستير وهي عبارة عن دراسة تاريخية لحكم أسرة آل خيرات في المخلاف السليماني مع تحقيق كتاب البهكلي الذي أخرجه بعنوان: «نفح العود في أيام الشريف حمود»، وقام بنشر أطروحته عن وزارة الثقافة والسياحة عام 2004. ويُلحظ من خلال العنوان، أن المحقق اعتمد على 3 نسخ جاءت خلواً من مفردة «دولة»، وأنه أثبت العنوان من خلال مقدمة عاكش في نفح العود.

الدكتور أحمد بن يحيى آل فايع يرى أنّ التحقيق يعتمد أساساً على ضبط النص الأصلي، ولا يحق للمُحقق التدخل فيه بتعديل أو إضافة أو حذف، ومن أصعب الأمور التي يواجهها المُحقق هو ضبط عنوان الكتاب المخطوط، وأحياناً التأكد من نسبته إلى مؤلفه. وأضاف أنه يجب على المُحقق قبل الشروع في إثبات العنوان، أن يقوم بتحديد المخطوط المراد تحقيقه، ثم جمع النسخ، والبحث في فهارس المصادر والمخطوطات ومراجعة مقدمات الكتب، والبحث والاستقصاء وسؤال أهل الاختصاص، وبعد ذلك ضبط العنوان وفق ما دوِّن وما ورد على نسخ المخطوط، مع ما أوردته الكتب المتخصصة، ودراسة الاختلافات المتعلقة بالعنوان أو غيره، ويقدّم المبررات التي من خلالها اختار العنوان المُثبت، أما في حال اتفاق النسخ على العنوان فهذا يريح المُحقق، وبعد ذلك يقوم المحقق بإثبات نص المخطوط كما هو، ولا يجوز له التعديل داخل النص، ويجب عليه مناقشة الأفكار الواردة، أو التعريفات التي يحتاجها، وغيرها، في الحواشي والتعليقات وفي دراسة المخطوط الأساسية، وفق المنهج الذي تبعه، مع أن هناك بعض المدارس التي ترى تعديل الأخطاء البينة في المتن مع وجوب الإشارة إليها في الحاشية. وعلى كل حال، فإن كلاً من منهج التأليف أو التحقيق يتطلبان الأمانة العلمية في النقل وإثبات النصوص والتوثيق.