لم يكن الملح يومًا مجرد طَعمٍ يُغلّف الطعام. الملح ذاكرة، جرح، مرآة، و... امرأة.


حين تسرّب إلى فمي، لم يكن الأمر عن لقمة عابرة، بل عن قصة كاملة تنفجر في الحلق.


الملح الذي يطفو فوق البحر، يختبئ في الدموع، ويتناثر في العرق على الجباه، هو ذات الملح الذي يقتحمنا حين نواجه الحقيقة.


إنه علامة الحياة نفسها، فمنه خُلقت البحار التي حملت السفن، ومنه تذوقنا مرارة الخسارة، ومنه تعلمنا أنه حتى البكاء له طعم لا يُنسى.


وتسرّب الملح إلى فمي يوم وقفت أمام البحر أبحث عن إجابة.


شعرت أن الموج يهمس لي بلغة لا يفهمها إلا من تجرّع الغياب.


كان الطعم مزيجًا من حنين وخذلان، من أمل مؤجل وخوف مقيم.


كأن الكون أراد أن يقول: لا خلاص بلا ملح، ولا حياة بلا مرارة.


في كل تفاصيل يومنا، هناك ملح:


في العرق الذي يقطر من جسد عاملٍ تحت الشمس.


في دمعة أمٍّ تنتظر عودة ابنها.


في كلماتنا حين نصارح أنفسنا بلا مجاملة.


إنه يذكّرنا بأننا أحياء. وأن كل ما يؤلمنا، في النهاية، هو ما يمنح وجودنا معنى.


أدركت أن الحياة ليست دائمًا عذبة ولا رخوة، بل هي مزيج من اللذع والسكينة، من الانكسار والانتصار.


الملح يذكّرنا بأننا حين نتألم نكون أقرب إلى الحقيقة، وحين نتذوق مرارة الطريق نزداد شغفًا بالوصول. وما البحر إلا مرآة لأرواحنا. نقترب منه لنبوح، فنجد الموج يكتب حكاياتنا على الرمل ثم يمحوها، كأنه يعلمنا أن لا شيء يبقى سوى الأثر في القلوب.


كل قطرة ملح تحمل سرًا: سرّ تعبٍ قديم، أو حبٍّ مفقود، أو حلمٍ لم يكتمل بعد. حتى ابتسامتنا، خلفها دائمًا شيء من الملح لأنه لا فرح خالص ولا وجع مطلق، وهكذا، حين نفهم الملح، نفهم أنفسنا.


نهاية:


فلتكن الدموع مالحة، والعرق مالحًا، وحتى البحر الذي يبلل شفاهنا مالحًا لأن الملح يثبت أننا لا نزال نتذوق، ولا نزال نعيش، ولا نزال نكتب، ولا نزال نحب.