«لكي لا تفقد عقلك اهرب إلى حقول الفن».. جملة قلتها ذات يوم، وأوصيت بها الأصدقاء في مواقع التواصل، فالفن يمتلك التعويذة التي تنجيك من قساوة الواقع، كلٌّ منا يعيش حياة باردة، وعادية، وأحياناً يتم الاتفاق على صياغتها من خلال الأحداث المكررة، أو المستفزة، ويكون حالك وفق الدور الذي وجدت نفسك فيه، دور له مسؤوليات تحرص على أدائها بكفاءة المحب لدوره، ذاك الحب الذي نما بالعشرة، والذي طوقك بالمثالية المثلى في التناسق، والتناغم مع خطوات أيامك، هي حياة مثالية في نظر الآخرين، ومثالية في نظرك أيضاً، وحين تلجأ إلى الفن كمنظار يمنحك الأبعاد الحياتية للناس، فكل حكاية تختلف أبعاد مقاسيها، ويكون البعد الرابع أو السادس، هو الفارق في حكايات الناس، بُعد يجلي ما ران على حياتك، يقشع العادي، ويريك لوناً زاهياً لم تعتد عليه في أيامك السابقة. الفن (جلاية) وقد يكون أداة تغير للأفكار، أو الحالة النفسية التي دأبت على الظهور بها كحالة توازن في أعين من هم حولك، نحن في حالات خلاف بين الظاهر والباطن، الباطن هو كنزك الخاص، الذي لا يعرفه إلا أنت، وأحياناً تغيب عنا الأبعاد، ويتجسد واقع كابوسي، تتوقعه، أو تخشى منه، الباطن يتجسد في أعماقك، واقع مرعب يخالف ما عشته من دعة وراحة بال، الهروب منه خطوة ضرورية قبل أن تتداعى الأشياء، وليس لنا من منجأ سوى الفن، الذي يعيد إليك توازنك النفسي، الفن ميزان الحياة، يظهر جلياً حين تتفرد بذاتك من خلال رواية أو لحناً، أو فيلماً، يحدث ذلك أثناء توحدك بما يتجسد فنّاً، يلامس أعماقك، فجأة تجد نفسك تتطابق مع خيال منشئ الرواية أو المجسد لحالة أبطال الفيلم، أو متماهياً مع لحن، مما يساهم في اجتثاث المكررات الخبيثة التي عشت بها، أو تعيش بها، الفن يمنحك حيوات الناس، فتتنقل من حياة إلى حياة، فتجد من يشبهك، ومن يختلف عنك، ومن هو خارج تفكيرك، أو من يكون نافذة لحياة حلمت بها طويلاً، ولم تصل إليها.. ووصيتي للهروب إلى حقول الفن صادقة حين تكتشف أن لك حياة لم تعشها بعد، والانتقال اليها يحتاج عمراً إضافيّاً، نحن نتحاج أعماراً إضافية؛ لكي نعيش وفق الصورة المجسدة قرائيّاً أو بصريّاً أو شدواً. هذا يذكرني بالحوارية التي تجاذبتها مع موسى محرق (رحمه الله)، كانت حوارية حول العمر القصير، الذي يمضي وأنت تؤدي دوراً وجدت نفسك فيه، وواصلت مشوارك من غير التفكير بافتراق العمر عما تتخيله في أعماقك.. وأعيد كتابة هذه المقالة بعد مشاهدة فيلم (برا المنهج) الذي أكد أن خصلة الكذب تؤدي بك إلى حياة كاذبة تواطأ الجميع على تصديقها إلا أن جماليات الفيلم تدفعك للخروج من تلك الخصلة، وتصويب حياتك على قضبان الصدق. والسؤال: متى يمكنك الخروج من الحياة الكاذبة لكي تلتصق بحياة تحلم بها في داخلك، ولم تصل إليها؟ ولأن العمر قصير لا يفي بأي تصويب، ولا يفي في أن تعيشه من جديد.. يصبح أمامك أن تتوقف أو تهمل كل أمر، وتعيش في العدم؛ ولأن أدوار الحياة لا تتركك على حالك بل تقحمك (غصباً عنك)؛ لاستكمال الدور الذي أنت فيه، فلا يصبح أمامك من شيء سوى أن تجر من الترقوة، وتمسح أرض الواقع بناصيتك، فلا مسعف لك سوى جماليات الفنون، عش بها وبجوارها قبل أن تُمسح كلك.