نشأ الدكتور أحمد بن محمد بن عبدالله الحميد بين مجالس العلم والأدب، وقبل أن يتعمّق في العلوم الشرعيّة قرأ الأدب، ثم حمل القراءتين معاً إلى تجربته التي لم يتعارض فيها العالَمَان، وكانا رافدين لتكوين واحد.

في بيت كان الجدّ يختبر فهمه للكتب والشعر وهو في سنواته الأولى، والأب يغضّ الطرف عن انكبابه على الروايات، والمعلّمون أدركوا مبكراً أنّ التشجيع قد يفتح أمام طفلٍ طريقاً يمتد معه العمر كلّه، تكوّنت ذاكرة الحميد الشخصية، وانفتح الحوار معه على أسئلة أوسع: علاقة الأدب بالخطاب الديني، وحدود مسؤولية الأديب، وموقع التراث من ذائقة القارئ المعاصر، وما إذا كان الأدب قادراً على توسيع الوعي الديني دون أن يتحوّل إلى وظيفةٍ مفروضة عليه.

الدكتور الحميد (أستاذ السنّة وعلومها في جامعة الملك خالد) لا يرى أنّه يقف بين «عالم النص الشرعي» و«عالم النص الأدبي»؛ لأنّ العالَمَيْن كانا، منذ البداية، جزءاً من تكوين واحد. لذلك، حين يُسأل عمّا بقي بينهما من مسافة، لا يستحضر مسافةً ليقطعها، وإنما يستحضر ذلك النّهم القديم نفسه: نهم القراءة، ونهم المعرفة، ونهم حضور مجالس العلم والأدب، مستفيداً ومفيداً، فإلى نصّ الحوار.

• حدثنا ابتداءً عن علاقتك بالقراءة، كيف بدأت؟

•• لا أعلم على وجه التحديد متى بدأت هذه العلاقة! أهي مع مطالعة قصص الأطفال المصورة التي وجدتها في مكتبة روضة الأطفال بأبها عام (1393)، حيث كنت في الدفعة الأولى من طلبة الروضة؟ أم من خلال مطالعة الصور في الكتب الموجودة في مكتبة المنزل، أو تلك الموجودة في الصحف والمجلات التي كان يطالعها الجد والوالد، رحمهما الله؟ ومن هنا تشكّل لديّ حب القراءة الذي استمر من ذلك الحين إلى يومنا هذا، فأصبحت القراءة شبيهة بالهواء الذي يتنفّسه الإنسان ولا يستطيع التخلي عنه.

• تعلّقك بالأدب، هل جاء من بوابة القراءة، أم من مجالس العلماء، أم من البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأت فيها؟

•• يحضرني قول عمرو بن العاص رضي الله عنه: «ما لي أراكم قد نحيتم هؤلاء ‌الفتيان عن مجلسكم؟ لا تفعلوا، أوسعوا لهم وأدنوهم وحدثوهم وأفهموهم الحديث، فإنهم اليوم ‌صغار ‌قوم، ويوشكون أن يكونوا كبار قوم، وإنّا قد كنا ‌صغار ‌قوم، ثم أصبحنا اليوم كبار قوم».

فمن فضل الله عليّ أنني حظيت بعناية وتشجيع من أسرتي، وعلى رأسها جدي ووالدي، رحمهما الله.

وكل ما ذُكر في سؤالك أسهم في تعلقي بالمعرفة؛ فالكتاب خدين أهل المنزل (الجد والوالد وإخوتي وأخواتي)، والمطالعة في المجلات والصحف رفيقة الجميع، ومجلس الجد والوالد لا يخلو يوماً من أديب أو مطالع، وحديث عن الأدب والتاريخ والأنساب والوقائع والمعالم الجغرافية، ومرافقتي لهما في مجالس مهتمين أمثالهما يمثلون نخبة من المطالعين، ولا ننسى وجود أساتذة أسهموا بالتشجيع والتوجيه.

• شعراء وكتّاب وعلماء شرعيون شكّلوا ذائقتك الأولى؟

•• تصعب الإجابة عن هذا السؤال؛ لأن الذائقة لا تتشكل بقراءة عابرة أو النهل من معين واحد، فتشكيل الذائقة يأتي تصاعدياً مع مراحل العمر والتقدم في مستويات التعليم، ومع كل مرحلة يتوقف التصاعد ليمتد أفقياً بما يناسب تلك المرحلة وما يتوفر فيها من ظروف مساعدة، فالذائقة تتشكّل حينها لتكون مزيجاً لا يمكن فصله أو عزل مكوناته.

• كيف تفسر اجتماع التخصص الشرعي مع الشغف بالأدب في تجربتك؟

•• العلوم الشرعية لا يتحصل كمال الفقه فيها إلا من خلال النهل من معين الأدب؛ فابن عباس -رضي الله عنهما- حبر الأمة وترجمان القرآن، جمع الفقه والعلم والأدب، وكان مجلسه يتنوع حسب أيام الأسبوع؛ فيوم للقرآن، ويوم للحديث، ويوم للشعر، ويوم للأخبار والأنساب، فيصدر الناس عنه وقد نال كلٌّ بغيته. وكثير من المحدثين والعلماء كانوا رؤوساً في الأدب؛ فرسالة الإمام الشافعي -رحمه الله- مثلاً قطعة أدبية فائقة، اجتمع فيها العلم ونصاعة البلاغة وجودة الكتابة بلغة أدبية رفيعة، وابن قتيبة، أديب المحدثين، مكانته لا تخفى، والنماذج كثيرة لا يُستطاع حصرها. فقراءتي للأدب سابقة لتعمقي في العلوم الشرعية، وما كنت أرفّه عن نفسي بعد نصب الدرس والبحث والقراءة في التخصص، حتى الآن، إلا بقراءة كتب الأدب، ورائدي في هذا الإمام الزهري، الذي كان يقول لأصحابه: «هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثكم؛ فإن الأذن مجاجة، والنفس حمضة».

• هل ترى أنّ التكوين الشرعي أضاف شيئاً إلى قراءتك للنص الأدبي؟

•• بكل تأكيد؛ لأنه حدّد الفصل بين الواقع والخيال والمجاز والحقيقة، ووضّح الفرق بين رواية الحديث ورواية الأخبار واختلاف معايير القبول للنوعين.

• الذائقة الأدبية، هل تؤثر في طريقة فهم العالم أو الباحث الشرعي للنصوص والتعبير عنها؟

•• الفقه الشرعي الحق يعطي للمرء فهماً واسعاً للحياة، والأدب قرين المتعة والجمال، فالذائقة الأدبية التي تكوّنت بالمطالعة والمذاكرة في الأدب شبيهة بالحديقة الغنّاء، وارفة الظلال، فيها الورود الندية، والأزهار الجميلة، والثمار اليانعة، والمياه الرقراقة، والبلابل الصدّاحة، والألوان المتناسقة. هذا كله يوسّع المدارك للمشتغل بالعلم الشرعي، فتتسع أمامه الرؤية، وينمّي جانب الفقه والتعامل الصحيح مع المستجدات، ويطبع السلوك والتصرفات بالذوق الرفيع والخلق الجميل، وينعكس هذا على منطقه فصاحةً، وعلى عبارته حلاوةً، وعلى أسلوبه طلاوةً، وعلى طروحاته بُعداً واسعاً وأفقاً ممتداً.

• هناك من يرى أنّ العلاقة بين الأدب والخطاب الديني علاقة توتر، بينما يرى آخرون أنها علاقة تكامل، أين تقف من هذا الجدل؟

•• لا أهتم بهذه الزوبعة، ولم أشغل نفسي بها، وتقدّم في السؤال السالف كيفية تأثير الذائقة الأدبية على المشتغل بالعلم الشرعي، وإنما يثير هذا من لا علاقة له بالعلم الشرعي بمعناه الواسع، الذي يتوقف عند ظواهر النصوص فقط، أو أن له غاية فكرية أخرى مؤثرة عليه، لا علاقة للعلم الشرعي أو الأدب بها.

• ما الحدود التي ينبغي أن يلتزم بها الأديب حين يتناول القضايا الدينية؟

•• الأدب فضاء واسع ممتد يطرقه كل متأدب، وكل أديب إنما هو نتاج تربيته وبيئته والمحيط الذي نشأ فيه والمعين الذي أخذ منه، وتناول القضايا الدينية في جانب الأدب ووضع الأطر التي ينبغي للأديب أن يلتزم بها لم يأتِ إلا في عصرنا هذا لغايات معروفة. وأنت إن تأملت الجوانب التي كان يطرقها الأدباء في أشعارهم مثلاً لم تجد ذلك المجهر الذي يرسم به حدود ما يقال ومحاكمته على ضوئه، فأنت بين شعر الزهد والحكمة والوصف والمديح والهجاء والرثاء والفخر والحماسة والاعتذار والنسيب والإخوانيات وغيرها، كل نوع لم تُفرض عليه قيود إلا أحكام الاستجادة من النقاد والسامعين، أو الذم، وشواهد هذا من تصرفات العلماء عديدة، كما ترى في تعامل النبي، صلى الله عليه وسلم، مع كعب بن زهير، رضي الله عنه، وابن عباس، رضي الله عنهما، مع عمر بن أبي ربيعة، وغير ذلك من النماذج.

• هل ينبغي أن يخضع الأدب لمعايير خارج معايير الفن والجمال؟

•• النظر فيه هو للمعايير الأدبية المحققة لغاية الأدب، كما نخضع أي مجال من المجالات لمعاييره، وتبقى مسؤولية الأديب عن الكلمة أمام ربه شاهدة له أو عليه.

• هل يمكن أن يكون الأدب وسيلة من وسائل بناء الوعي الديني، أم أنّ هذه ليست مهمته الأساسية؟

•• اللغة التنظيرية في بيان مهمة الأدب تورث الانفصام بين المتلقي والأديب، فالأدب بكامله يُتلقى أدباً بآفاقه الرحبة المؤثرة على المتلقين، وكما قلت لا أعرف عند السالفين هذه الفرضية؛ فهم يتلقونه ويهتمون به وسيلة لفتح الآفاق، وتوسعة المدارك، وتنمية القيم. يُلحظ هذا فيما خلّفوه من آثار وأخبار، وتنوع ما فيها بين النفيس والرخيص والدر والخرز، وقد يكون المعنى المتناول من الحدث والقصيدة مبتذلاً، لكن الصورة الجمالية والاختراع فيه عالياً. وأعتقد أن من تمرّس في قراءة المطولات من الدواوين الشعرية وكتب الأخبار الأدبية والمدونات الأدبية لا يوجد لديه هذا الانفصام، وعنده القدرة على تمييز ما يطالعه.

• ما رأيك في استخدام النصوص الشرعية أو التراثية داخل الأعمال الأدبية الحديثة؟

•• قلت إنّ الكلمة مسؤولية، فاستخدام هذه النصوص واقع تحت هذه المسؤولية، والاقتباس والتضمين، كما تعلم، فنان بلاغيان، هما الأصل في هذا المعنى، وإذا فقه الأديب هذا المعنى كانت هذه النصوص والاستشهادات معلماً جمالياً يزيد النص الأدبي جمالاً وإشراقاً.

• كتاب تراثي تتمنّى أن يقرأه الجيل الجديد.

•• أتمنى أن تكون القراءة للجيل الجديد غاية يسعون إليها، وكما تدرجنا في القراءة سيتدرجون، وسيتلذذون كما تلذذنا بروعة الاكتشاف، وكانت أثمن مكافأة تشجيع في المدارس هي القصص والكتب. فقط ليتهيأ لهم الجو، وليحاطوا بالعناية والتشجيع كما حظينا بها. ففي منزلي إبان صغري كان جدي الشيخ عبدالله بن علي بن حميد -رحمه الله- يجدني مكبّاً على كتب مكتبة المنزل، أقلّبها وأطالعها، فيرشدني إلى قراءة ما يناسب عمري، وحينما كنت لا أستجيب كان يسألني عن موضوع الكتاب الذي أطالعه، وعندما أقرأ له شيئاً كان يتوقف عند بعض الكلمات؛ ليتأكد من فهمي لها، ويعارضني أحياناً، إن قرأت بيت شعر، بأن أعربه له. هل تتخيل أن هذا وأنا بين السنة الرابعة الابتدائية والسادسة الابتدائية، أي أن عمري بين ثماني وعشر سنوات، وأن أبي -رحمه الله- كان يغض الطرف عندما يراني مكبّاً على الروايات التي أشتريها، ويحثني على قراءة المفيد، ثم كنت له شريكاً فيما يقرؤه منذ أن تفتحت عيناي إلى لحظة وفاته، وأن أستاذي في السنة الخامسة الابتدائية، الأستاذ سعيد بن سعد المالكي -رحمه الله- فتح لي أفق القراءة والاطلاع المفتوح، وشجعني تشجيعاً لا أنساه في مادة التعبير الإلقائي، عندما جعل موضوع الحصة عما فعلناه في إجازة منتصف العام، فكان كلامي عن أني قرأت خلالها كتاب «أيام العرب في الجاهلية» لمحمد جاد المولى ورفاقه، ووضحت في كلمتي موضوع الكتاب وما أعجبني فيه، فغمرني بعبارات الثناء المشجعة، وكان يتوقف في دروسه أحياناً ليسمع رأيي فيما يقول. ويتكرر مثل هذا الموقف مع أستاذي محمد بن حسن النجمي في السنة الثانية المتوسطة، فأجيبه أني قرأت كتاب «قصص العرب» لجاد المولى أيضاً، فيغمرني بعبارات التشجيع والثناء. وكانت المجالس الأدبية في حضرة الجد والوالد، في منزلنا وفي منازل الآخرين، من أحب الجلسات لدي، حيث أجد المهتمين بمناحي الأدب والنماذج الأدبية المختلفة، مستفيداً ومستمعاً، وقد يدعوني صاحب المنزل لألعب مع أبنائه، فأتأبى متمسكاً بالجلوس والإنصات. في مثل هذا الجو سيجد كلّ قارئ من الجيل نهمته.

• هل نحن بحاجة لقراءة التراث الأدبي بعيداً عن التقديس وبعيداً عن الرفض؟

•• التقديس والرفض حالة ملازمة للقارئ حال ترقيه في القراءة والاطلاع، حتى يصل إلى مرحلة الاستيعاب، فيتلاشى ذلك لاتساع الأفق ووضوح الرؤية عنده، فيكون لديه شبه استقلال، وقديماً قيل: «لن تعرف خطأ شيخك إلا إذا جلست إلى غيره».

• كتاب تمنيت لو أنّك قرأته وأنت صغير.

•• إن أتينا من الجانب النظري، فكل كتاب مفيد تمنيت لو أني قرأته قبل حين من الدهر، ولكن الإنسان يتدرج في نموه، وكل مرحلة من حياته يناسبها نوع من الكتب، بدليل أني في مرحلة عمرية كنت مبهوراً بكاتب ما، وحين تجاوزت هذه المرحلة ذهب الانبهار وبقي الأثر.

• لو افترضنا أنّ الدكتور أحمد الحميد يقف بين عالَمَيْن: عالَم النص الشرعي وعالَم النص الأدبي، فماذا أخذ كلّ عالَم من الآخر؟ وماذا بقي بينهما من مسافة لم يستطع أن يقطعها؟

•• لا أشعر أبداً بهذا الافتراض؛ لأنّ العالَمَيْن بمفهومهما واحد بطبيعة نشأتي، لا يمكن فصله، وبقي فقط النهم للاطلاع على الجديد وحضور مجالس العلم والأدب، مستفيداً ومفيداً.