أثار المقال الذي نشره الروائي العراقي علي بدر بعنوان «المثقف العربي ودول الخليج» موجة واسعة من النقاشات والردود بين مثقفين وكتّاب سعوديين وخليجيين، بعدما أعاد طرح رؤية وصفها كثيرون بأنها «قديمة ونمطية»، تقوم على اعتبار دول الخليج قوة اقتصادية تفتقر إلى العمق الثقافي والتاريخي.

ورأى عدد من الأدباء والكتّاب السعوديين أن هذه النظرة لم تعد تعبّر عن واقع المنطقة اليوم، في ظل التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المملكة ودول الخليج، وما تحقق خلال السنوات الأخيرة من حضور مؤثر في مجالات النشر والإعلام وصناعة المعرفة والمشروعات الثقافية الكبرى.

نظرة قديمة تجاوزها الواقع

واعتبر مثقفون أن بعض الكتّاب العرب لا يزالون ينظرون إلى الخليج بعين الحقبة التي كانت فيها القاهرة وبيروت وبغداد تتصدر المشهد الثقافي العربي، بينما كان الحضور الثقافي الخليجي آنذاك في بداياته المؤسسية.

وأشاروا إلى أن هذه التصورات استمرت لدى بعض النخب الثقافية العربية رغم التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، وأصبحت أحياناً تُستخدم للتقليل من شأن التجربة الخليجية والتشكيك في أصالتها الثقافية والمعرفية.

وأكدوا أن المشهد الثقافي العربي تغيّر بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وأن المملكة والخليج باتا اليوم جزءاً رئيسياً من صناعة التأثير الثقافي والإعلامي العربي، من خلال معارض الكتب، وحركة النشر والترجمة، والمهرجانات الدولية، والمبادرات الثقافية الضخمة.

أحمد السيد عطيف

أحمد السيد عطيف

انتقاد للمؤسسات الخليجية

في المقابل، لم يُحمّل بعض المثقفين المسؤولية للكتّاب العرب وحدهم، بل وجّهوا انتقادات أيضاً إلى المؤسسات الإعلامية والثقافية الخليجية، معتبرين أنها اعتمدت لسنوات طويلة على أسماء عربية لإدارة المشهد الثقافي والإعلامي، من دون أن تعمل بما يكفي على إبراز المثقف الخليجي بوصفه صاحب مشروع معرفي مستقل.

وأوضح الكاتب أحمد السيد عطيف أن الخليجيين «صدّقوا، عمداً أو جهلاً أو انهزاماً، أنهم متأخرون ثقافياً عن غيرهم»، مضيفاً أن عدداً من المؤسسات الإعلامية الكبرى لم تعكس الهوية المحلية بصورة واضحة، رغم ما تمتلكه من إمكانات وتأثير عربي واسع.

خالد سفير

خالد سفير

دعوات إلى استعادة الثقة الثقافية

من جهته، دعا الكاتب خالد سفير القرشي إلى بناء رؤية سعودية مستقلة للذات الثقافية، تقوم على قراءة الواقع الراهن بعيداً عن أحكام الماضي، مؤكداً أن المرحلة الحالية تتطلب إعادة ترتيب الأولويات انطلاقاً من المنجزات الفعلية التي حققتها المملكة في الثقافة والإعلام ومختلف المجالات الأخرى.

وأشار إلى أن استعادة الثقة بالذات الثقافية لا تعني التقليل من شأن الآخرين، بل تعني تقديم التجربة السعودية والخليجية بوصفها تجربة ناضجة تستحق أن تعرّف بنفسها، لا من خلال تصورات الآخرين عنها.

محسن السهيمي

محسن السهيمي

الرياض مركز ثقافي عربي جديد

أما الكاتب محسن السهيمي، فرأى أن المعادلة الثقافية التقليدية التي كانت تختزل الريادة العربية في عدد محدود من العواصم تغيّرت بصورة كبيرة، مشيراً إلى أن الرياض ودول الخليج أصبحت اليوم من أبرز مراكز الإنتاج الثقافي والإعلامي العربي.

وأكد أن بعض المثقفين العرب لم يواكبوا هذا التحول، ولا يزالون ينطلقون من تصورات تجاوزها الزمن، رغم أن الواقع الحالي يشهد انتقالاً واضحاً في مراكز التأثير الثقافي والمعرفي داخل العالم العربي.

علي حسين

علي حسين

عوامل تاريخية صنعت الصورة النمطية

وعزا عدد من الكتّاب استمرار هذه الصورة النمطية إلى تأخر المؤسسات الثقافية والإعلامية الخليجية في أداء دورها التاريخي خلال فترات سابقة، إضافة إلى عوامل اجتماعية ودينية وسياسية أسهمت في تكوين صورة أحادية عن المجتمعات الخليجية، استغلها بعض المثقفين العرب لترسيخ تصورات غير دقيقة عن الخليج وثقافته.

فيما رأى الكاتب العراقي علي حسين أن هذه النظرة «قاصرة»، ولها أسباب تتعلق بصاحب المقال نفسه، مضيفاً أن البعض لا يزال ينظر إلى الخليج باعتباره «كيس نقود»، متجاهلاً النهضة الثقافية الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وما تحتضنه من معارض كتب ودور نشر وحركة ترجمة ومثقفين يساهمون بفاعلية في المشهد الثقافي العربي.

موج يوسف

موج يوسف

«ليست نظرة جميع المثقفين العرب»

بدورها، أكدت الناقدة العراقية موج يوسف أن هذه النظرة لا تمثل جميع المثقفين العرب، بل بعضهم فقط، مشيرة إلى أنها تنظر إلى الخليج باعتباره امتداداً ثقافياً عربياً قائماً على العمق المشترك والتبادل الثقافي، بعيداً عن المصالح أو التصورات المسبقة.

وقالت إن العلاقات الثقافية بين المثقفين العرب والخليجيين يجب أن تقوم على التشارك والاحترام المتبادل، لا على الصور النمطية القديمة.

محمد الحميدي

محمد الحميدي

«المملكة ترفع راية الثقافة»

في السياق ذاته، وصف الناقد السعودي محمد الحميدي طرح علي بدر بأنه امتداد لنظرة دونية تجاه المثقف الخليجي، تقوم على اعتقاد بعض النخب التقليدية في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطاج بأنها وحدها مركز الثقافة العربية ومرتكزها الأساسي.

وأكد الحميدي أن الوقائع تغيّرت اليوم، وأن المملكة أصبحت ترفع راية الثقافة العربية وتحتضن المثقفين وتمنحهم المكانة التي عجز كثير من البلدان العربية عن توفيرها، مضيفاً أن «كل مثقف يتجاوز تأثير المملكة اليوم إنما يغش نفسه».

رفض للسجال ودعوة إلى الندية

وشدد المشاركون في هذا النقاش على أن المطلوب ليس الدخول في سجال مع المثقف العربي أو تبني خطاب إقصائي، وإنما إعادة بناء العلاقة الثقافية على أساس من الندية والاحترام المتبادل، والاعتراف بالتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة.

وأكدوا أن الحراك الثقافي المتسارع الذي تقوده وزارة الثقافة السعودية، وما تشهده الرياض من مشروعات ومبادرات ثقافية كبرى، يعزز الحاجة إلى خطاب ثقافي سعودي واثق بذاته، قادر على التعبير عن تجربته الحضارية بوصفها جزءاً أصيلاً ومؤثراً في الثقافة العربية المعاصرة.

اتهامات لعلي بدر بتجاهل التحولات الخليجية

وكان الروائي العراقي علي بدر قد طرح في مقاله عدداً من الآراء التي أثارت الجدل، من بينها قوله إن المؤسسات الإعلامية والثقافية الخليجية فشلت في التحول إلى مراكز اعتراف عربي، وإنها لم تنجح في إنتاج «مخيال ثقافي عربي جديد» رغم نجاحها في بناء منصات إعلامية قوية.

كما اعتبر أن «المخيال الخليجي» لا يفتقد الاختلاف فقط، بل يفتقر ـ بحسب تعبيره ـ إلى الشروط التي تجعله موضوعاً للفكر، نافياً في الوقت ذاته وجود دور للفكر القومي واليساري في استبعاد الخليج من المجال الرمزي للحداثة العربية، وهي الطروحات التي قوبلت بانتقادات واسعة من مثقفين سعوديين وخليجيين رأوا أنها تتجاهل التحولات الثقافية الكبرى التي تشهدها المنطقة اليوم.