«فتش عن وجودك في السراب
وفي الغياب وفي الصدى
لا بد من ناي أخير شارد
ناي بهيج كلما ضيعته
في زحمة الدنيا لروحك أوصلك»
«مطمئنا على الحافة»، هو عنوان هذا الديوان الذي يتكشف متناقضا حيث يقوم بأخذ القارئ منذ البداية إلى عالم بسمات شعر الشاعر علي الحازمي. كيف يمكن أن نشعر بالهدوء والأمان ونحن على الحافة مهما كانت صلابتها ؟ وأي حافة هي ؟ هذا التناقض المفاجئ بالعنوان نجده يتكرر في العديد من قصائد هذا الديوان.
لو تفحصنا العناوين يمكننا أن نرى نوعا من القلق بين الازدواجية على سبيل المثال (انسحاب المسافر من ظله)، والتراجع مثل (عزلة الطير في ريشه).
بالفعل تتمازج هنا الذكرى و الواقع، الممتلئ والفارغ حتى تصبح واحدا في الهروب من الزمن الذي يعيشه الشاعر، فالماضي المعاش الحقيقي يصبح وهميا وغير ملموس كالمجهول الذي ينجلي في الأفق. هكذا نقرأ في قصيدة (دنياك خارج سورها العالي).
إطلالة الذكرى بعينك لا تهيئ للحقيقة
مرفأً صلباً لتفرغ مركبات الغيب
بعضاً من حمولة صمتها،
تنحاز للنسيان في تعب الطريق
ولست تبلغ سدرة الحلم الذي
أشقيت عمرك بامتداح ظلاله،
لا أنت توقد ما انتهيت إليه من
حطب السؤال، ولا انسحاب الفجر
عن قدم البداية... أمهلك
القصائد في هذا الديوان هي كمونولوج. يتوقف الشاعر لحظة للوقوف على حياته واستعراض مختلف الذكريات التي تبدو الآن كرماد خفيف.
فخلال السباقات الدائمة ومع عنفوان الشباب فكرة التسمر لحظة عند حدود الروح لا تتبادر إلى الذهن. وحده الزمن ممثلا هنا بالشيخوخة (خريف العمر) يظل، بمثابة المعيار: الخالد، ما كُنتَ لو تحظى بباقي العُمرِ تُدرِكُ ما أضعتَ من الحیاةِ وسِرْبِا، ضَاقتْ بِخطوِكَ ضِفّةُ الأَملِ القصي وجردتك الأرض من حنائها شبابا نتدافع إلى حلم بعيد وشيوخا نلجأ الى ماضينا، حبيسين بين هذين الوجودين اللاماديين، المستقبل والماضي. يحاول الإنسان أن يعزل نفسه في ترف النسيان، فحياته لم تعد ملكه ولا يجد ذاته في الشخص الذي كأنه سابقا.
فالشاعر ومن خلاله الإنسان، رجلا كان أو امرأة، يصبح غريبا عن ذاته:
بعينين خاليتين
من الدفءِ والحب والأُمنیات
تَظَل تُجَدفُ نرَ فراغٍ
یُطوّقُ وَحدتَا في الزیعِ الأَخیر،
طواعیةً أسلمتْ نفسا لاعتلالِ التغَربِ
دونَ التفاتٍ لِنَايٍ
یُدْدُ جمرَ حرائِقِا من بعید
حسب هذا البحث الوجودي ينقسم هذا الديوان إلى حركتين:
• الأولى تتجلى من خلال قصائد الجزء الأول «عين تحدق في الفراغ» تأخذ القارئ إلى الغياب المفتعل من هروب الزمن الذي لن يعود لبريقه أبدا.
• الثانية تتجلى من خلال القسم الثاني للديوان تعتبر محاولة لتأثيث ذاك الغياب.
وهكذا وحده الغناء والشعر والحلم تحت مسمى واحد (الفن) يفتح طريقا ممكننا. إذ يرفض الشاعر بالفعل فهما في الفراغ لأننا حتى لو تقبلنا أن الماضي لن يعود أبدا فالشعر يتجاوز الزمان و الكمان.
لا تنتظرني
قُرْبَ حُزنِ النبعِ أَكثرَ من نَارٍ واحدٍ
فقصِیدَتِي عَبرتْ لضفَّةِ أَمسِا الآتِي
وأَرْخَتْ من ضَفائِر روحِا نغماً كفیفاً
للتساؤلِ عن غَدٍ یَرِثُ المكانَ ولا یجودُ
*ناقدة - باريس
في ديوان «مطمئنا على الحافة»
الحازمي يأخذ القارئ إلى الغياب المفتعل
21 ديسمبر 2019 - 04:33
|
آخر تحديث 21 ديسمبر 2019 - 04:33
تابع قناة عكاظ على الواتساب
د. منال عبيدي *