هناك لحظات تغيّر نظرة الإنسان إلى الحياة كاملة دون ضجيج. ومن أثر إنساني قريب، وُلد مشروع الفنانة التشكيلية السعودية إيمان الحميد عن التصلب اللويحي المتعدد، في محاولة لتحويل تجربة شديدة الخصوصية إلى لغة بصرية هادئة، تمتلئ بالضوء والأمل.

فالعمل، المتزامن مع اليوم العالمي للتصلب اللويحي المتعدد، لا يقدّم المرض من زاوية طبية مباشرة، ولا يتعامل معه بوصفه مناسبة عابرة، بل يذهب إلى أثره الأعمق في الإنسان؛ إلى تلك المسافة التي يحاول فيها المصاب أن يحافظ على توازنه، وأن يواصل حياته وهو متمسك بوعد العافية.

وتقول الحميد، إن فكرة المشروع لم تأتِ من رغبة في تناول قضية صحية بشكل تقليدي، بل من تجربة إنسانية قريبة جعلتها ترى التصلب اللويحي المتعدد من زاوية أكثر عمقاً وصدقاً.

وتضيف: «لم يكن هدفي أن أرسم المرض بوصفه عنواناً طبياً، بل أن أقترب من أثره الإنساني. أردت أن أقدم عملاً يرى الإنسان داخل التجربة، ويمنح مساحة للتأمل والأمل».

اللوحة المنفذة بالألوان الزيتية على قماش الكانفس بقياس 100 × 75 سم، تقدم امرأة تقف أمام البحر، فيما تمتد الأمواج ويتدفق الضوء من الأفق البعيد، في مشهد بصري هادئ يحمل طبقات إنسانية متعددة دون أن يفقد صفاءه.

وتوضح الحميد، أن اختيار شخصية امرأة داخل اللوحة لم يكن قراراً جمالياً فقط، بل امتداداً للروح الإنسانية التي خرج منها العمل منذ البداية.

وتقول: «حين اخترت عنوان بينها وبين العافية وعد، لم أكن أتحدث عن فكرة مجردة أو شخصية مجهولة؛ كنت أرسم شعوراً أعرفه جيداً، وإنسانة قريبة من قلبي، وتلك المسافة الهادئة بين التعب والرغبة المستمرة في التوازن والحياة».

وفي الوقت الذي تميل فيه كثير من الأعمال المرتبطة بالقضايا الصحية إلى الرسائل المباشرة أو الطرح السريع، اختارت إيمان الحميد أن تقدم مشروعها بلغة بصرية أكثر هدوءاً وتأملاً، تترك للمتلقي مساحة للشعور والقراءة، دون أن تفرض عليه معنى واحداً.

ويحضر البحر في العمل بوصفه فضاءً مفتوحاً يشبه التحولات التي قد يمر بها الإنسان خلال رحلته مع المرض، بينما يبدو الضوء الممتد في الأفق أقرب إلى فكرة الاستمرار والطمأنينة.

وتؤكد الحميد، أن الضوء كان عنصراً أساسياً في بناء اللوحة، لا بوصفه تفصيلاً جمالياً، بل بوصفه معنى حاضراً في قلب العمل.

وتقول: «كنت أريد أن يشعر المتلقي بأن اللوحة تتحدث عن الحياة بقدر ما تتحدث عن المرض. لذلك كان الضوء مهماً بالنسبة لي منذ البداية، لأنه يمثل الاستمرار والرغبة في العافية».

كما يظهر داخل العمل الوشاح البرتقالي المرتبط عالمياً بالتصلب اللويحي المتعدد، مندمجاً بهدوء داخل التكوين العام، دون أن يتحول إلى العنصر الوحيد المسيطر على المشهد.

ويكشف المشروع عن توجه بصري واضح لدى الحميد نحو تقديم القضايا الإنسانية ضمن أعمال تشكيلية تحمل قيمة جمالية وفكرية في الوقت نفسه، بعيداً عن المباشرة البصرية أو الطرح التقليدي.

وكانت الفنانة إيمان الحميد قد قدمت سابقاً أعمالاً فنية مرتبطة بقضايا صحية وإنسانية مختلفة، من بينها مشروع بصري عن مرض السكري، حظي بحضور إعلامي وتفاعل واسع، قبل أن تعود اليوم بمشروع أكثر نضجاً وهدوءاً على المستويين البصري والإنساني.

وترى الحميد، أن الفن لا يقتصر على تقديم الجمال فقط، بل يمتلك قدرة حقيقية على بناء الأثر وفتح مساحة مختلفة للفهم والتأمل.

وتقول: «الفن بالنسبة لي ليس مجرد لوحة تُعلّق على الجدار، بل مساحة يمكن أن يرى الإنسان نفسه فيها، أو يشعر أن هناك من يفهم تجربته حتى دون كلمات كثيرة».

ولا تتعامل الحميد مع هذا العمل بوصفه لوحة منفردة فحسب، بل بوصفه مشروعاً يحمل جزءاً من ذاكرتها وعلاقتها الإنسانية بالقضية، ولهذا يبدو أقرب إلى تجربة وجدانية مكتملة منه إلى مشاركة فنية عابرة مرتبطة بمناسبة موسمية.

ويمنح هذا التوجه المشروع حضوره المختلف، ويضع إيمان الحميد ضمن التجارب التشكيلية السعودية التي تسعى إلى تقديم الفن بوصفه مساحة للمعنى والأثر الإنساني، لا مجرد مساحة للعرض البصري.

وفي هذا العمل، لا تقف المرأة أمام البحر وحدها، بل أمام رحلة كاملة من الصبر والرغبة في الاستمرار والنظر نحو الضوء. وبين الإنسان والعافية، يبقى هناك دائماً وعد هادئ لا ينطفئ.