في كل عام، ومع توافد ضيوف الرحمن إلى المشاعر المقدسة، نشعر نحن أبناء هذا الوطن بشرفٍ عظيم ومسؤولية أكبر. فالحج ليس موسمًا عابرًا في ذاكرة المملكة، بل أمانة حملتها هذه البلاد قيادةً وشعبًا، وسخّرت لها الجهود والخدمات والقلوب قبل الإمكانات. ومن بين أعظم ما يستحقه الحاج في هذه الرحلة الإيمانية أن يؤدي نسكه بطمأنينة، وأن يعود إلى أهله سالمًا، معافى، وقد اكتملت فرحته بالحج وصحته.


وفي أيام الحج، تكون الصحة جزءًا من العبادة، وليست أمرًا جانبيًا. فالحاج يتحرك بين المناسك، ويمشي لمسافات طويلة، ويقف تحت حرارة الشمس، ويشارك الملايين المكان والزمان والوجهة نفسها. ولهذا فإن الوعي الصحي يصبح زادًا مهمًا، لا يقل قيمة عن زاد السفر؛ فخطوة واعية قد تمنع تعبًا، وشربة ماء في وقتها قد تقي من جفاف، ومظلة صغيرة قد تحمي من إجهاد حراري، وراحة قصيرة قد تمنح الجسد قدرة على مواصلة النسك بسكينة.


إن من أبسط ما يحفظ صحة الحاج في هذه الأيام المباركة أن يعتني بنظافته الشخصية، وأن يحرص على غسل يديه، وتغطية فمه وأنفه عند السعال أو العطاس، وألا يشارك غيره أدواته الشخصية. فالحج يجمع أعدادًا كبيرة في أماكن محدودة، والعدوى قد تنتقل بسهولة حين يغيب الحرص. ومن هنا يصبح التزام كل حاج بسلوكيات النظافة حماية له ولمن حوله، وصورة من صور الرحمة التي جاء بها هذا الدين العظيم.


كما أن حرارة الأجواء وكثرة الحركة تتطلبان يقظة دائمة فالتعرض المباشر للشمس، وقلة شرب الماء، ومواصلة المشي دون راحة، قد تؤدي إلى الجفاف أو الإجهاد الحراري. لذلك يحتاج الحاج إلى أن يستمع لجسده؛ فإذا شعر بالعطش الشديد، أو الصداع، أو الدوخة، أو الإرهاق غير المعتاد، فعليه أن يتوقف، ويبحث عن مكان بارد، ويشرب الماء، ويطلب المساعدة الصحية عند الحاجة. فالحاج الواعي لا ينتظر حتى تتفاقم الأعراض، بل يبادر بحماية نفسه.


وفي الزحام، تكون السلامة في الهدوء فلا تدافع، ولا استعجال، ولا مشي بأحذية غير مناسبة، ولا إصرار على مواصلة الحركة عند التعب فالسقوط أو التواء القدم أو الجروح البسيطة قد تعكر على الحاج رحلته، بينما يمكن تفادي كثير منها بالانتباه، واختيار الوقت المناسب للحركة، والالتزام بالتوجيهات المنظمة. وإذا حدثت إصابة، فالتعامل معها بهدوء وطلب المساعدة الطبية عند الحاجة هو الطريق الأسلم.


ولا تقل سلامة الغذاء أهمية عن سلامة الحركة فالحاج يحتاج إلى طعام نظيف، محفوظ بطريقة صحيحة، بعيد عن الانكشاف والتلوث وتناول الطعام من مصادر موثوقة، وغسل الفواكه والخضروات، وتجنب الأطعمة المكشوفة أو غير المطهية جيدًا، كلها أمور بسيطة لكنها تحفظ الجسد من التسمم الغذائي وآلام المعدة التي قد تحرم الحاج من راحته وقدرته على أداء المناسك.


أما أصحاب الأمراض المزمنة، فهم أحوج إلى مزيد من الانتباه فمريض السكري أو الربو أو الكلى أو الحساسية أو القلب ينبغي أن يلتزم بأدويته، وأن يحمل ما يحتاجه معه، وأن يبادر بطلب العناية عند ظهور أي عرض غير معتاد. فهبوط السكر، أو ضيق التنفس، أو الحساسية الشديدة، أو الألم المفاجئ ليست أمورًا تحتمل التأجيل في موسم مزدحم وكبير مثل الحج.


إن ما نراه في الحج من تنظيم وخدمات صحية وإسعافية هو مصدر فخر لكل مواطن سعودي، لكن نجاح هذه الجهود يكتمل بوعي الحاج وتعاونه. فالدولة تبذل، والفرق الصحية ترابط، والجهات الميدانية تعمل ليل نهار، ويبقى على الحاج أن يكون شريكًا في سلامته، ملتزمًا بالتعليمات، حريصًا على نفسه، رفيقًا بمن حوله.


وفي رحاب المشاعر المقدسة، حيث تلهج الألسن بـ«لبيك اللهم لبيك»، تبقى صحة الحاج أمانة غالية فالحج الآمن لا يتحقق بالخدمات وحدها، ولا بالنية الصادقة وحدها، بل يكتمل بوعيٍ حاضر، وسلوكٍ مسؤول، وقلبٍ مطمئن. ومن هذه الأرض المباركة، ومن وطنٍ جعل خدمة الحرمين وضيوف الرحمن شرفه الأكبر، نقول لكل حاج: صحتك جزء من حجك، وسلامتك فرحتنا، وعودتك سالمًا دعاء نرفعه معك في كل خطوة.