العدالة في توزيع المشرفين التربويين على المدارس لا يمكن أن تختصر في عدد المدارس التي توزع على كل مشرف، لأن لكل مدرسة واقعاً مختلفاً لا يمكن اختزاله في جدول توزيع، وإنما هي بيئة تعليمية كاملة لها ظروفها واحتياجاتها وقيادتها ومعلموها وطلابها ومستوى نواتج تعلمها وطبيعة التحديات التي تواجهها، ولذلك فإن التوزيع العادل لا يبدأ بالسؤال عن عدد المدارس التي يحملها المشرف في جدوله، وإنما يبدأ بقراءة المدرسة نفسها وما تحتاج إليه ومن يستطيع أن يعمل معها ويصنع فيها فرقاً يمكن قياسه ومشاهدته بعد مدة من العمل الحقيقي.


وضع مشرف دعم في مدرسة لعام كامل ثم نقله منها في العام التالي لا يعني مجرد تغيير اسم باسم داخل جدول التوزيع، وإنما قد يعني قطع مشروع بدأ يتشكل وإيقاف علاقة مهنية احتاج بناؤها إلى أشهر وإهدار معرفة تراكمت لدى المشرف عن المدرسة ومعلميها وطلابها ومشكلاتها ونقاط قوتها وضعفها، فالمشرف الذي قضى عاماً يقرأ نتائج الطلاب ويحلل المؤشرات ويعمل مع المعلمين ويضع الخطط ويتابع تنفيذها ويصحح مسارها لا يعود بعد كل ذلك مجرد مشرف يمكن استبداله بسهولة، وإنما يصبح جزءاً من ذاكرة المدرسة التطويرية ويملك معرفة بتفاصيلها لا يمكن نقلها كاملة في تقرير أو جدول أو محضر.


وكم من مشرف دخل مدرسة فوجد أمامه واقعاً يحتاج إلى عمل طويل، ثم بدأ مع إدارتها ومعلميها في بناء مشروع للتحول الرقمي وتقليل الورق وتحسين المتابعة وربط الإجراءات بالمؤشرات وتغيير بعض الممارسات التي استقرت لسنوات، وبعد أن تحركت الفكرة وبدأ الناس يتقبلونها وظهرت ملامحها الأولى جاء قرار نقله إلى مدرسة أخرى قبل أن يرى المشروع نهايته، وفي مثل هذه الحالة لا يكون النقل مجرد تغيير في توزيع المشرفين، وإنما يصبح قطعاً لمسار تطويري بدأ ينضج وإهداراً لخبرة تراكمت داخل المدرسة وإرباكاً لمشروع احتاج وقتاً طويلاً حتى يقف على قدميه، فالتطوير الذي يتغير رجاله في منتصف الطريق يفقد جزءاً من تراكمه ويستهلك وقتاً جديداً في إعادة البناء، بينما كان الأولى أن يكتمل المسار وتُقاس نتائجه ويُعرف أثره قبل الانتقال إلى تجربة أخرى.


التطوير في التعليم لا يشبه تبديل المقاعد في غرفة اجتماعات، لأن بناء الممارسة الجديدة يحتاج إلى وقت والثقة تحتاج إلى وقت وتغيير الثقافة المدرسية يحتاج إلى وقت وقياس أثر الخطط على نواتج التعلم يحتاج إلى وقت، ولذلك فإن الاستقرار المهني للمشرف في المدرسة التي يقود فيها مشروعاً تطويرياً لا يصح النظر إليه بوصفه رغبة شخصية للمشرف أو تمسكاً بمدرسة بعينها، وإنما باعتباره أحد شروط نجاح المشروع نفسه ما دام العمل يسير وفق مؤشرات واضحة وما دام الأثر يتقدم وما دامت المدرسة تتحرك في الاتجاه الذي نبحث عنه.


والأغرب أن نطالب المشرف بأن يكون قائد تغيير وصانع مبادرة ومحلل نتائج ومتابعاً لنواتج التعلم ومسانداً للقيادة المدرسية، ثم لا يكون رأيه المهني حاضراً بالقدر الكافي عند اتخاذ بعض القرارات التي تمس طبيعة عمله والبيئة التي سيعمل فيها، فصناعة خطة تطويرية عميقة تحتاج إلى قراءة طبيعة القيادة المدرسية ودرجة استعدادها للتغيير وحجم التوافق المهني الذي يمكن أن يتشكل بينها وبين المشرف، لأن تحميل المشرف مسؤولية النتائج لا يستقيم إذا لم تكن خبرته ورؤيته المهنية جزءاً من قراءة البيئة التي نطالبه بصناعة تلك النتائج داخلها.


وأنا لا أدعو إلى أن يختار المشرف المدرسة التي يريدها وفق رغبته، لأن العمل المؤسسي لا يقوم على الرغبات الشخصية ولا يمكن أن تدار منظومة كبيرة بهذه الطريقة، وإنما أدعو إلى أن يصبح رأي المشرف المهني جزءاً من معادلة التوزيع إلى جانب حاجة المدرسة ومؤشراتها ونتائجها وطبيعة قيادتها والمشروعات القائمة فيها، لأن العقول الإدارية ليست نسخة واحدة والقيادات المدرسية ليست على درجة واحدة من المرونة والاستعداد للتغيير، والمشرف مهما كانت خبرته وقدرته سيجد صعوبة في صناعة تحول حقيقي إذا اصطدمت أفكاره كل صباح بعقل يرى التطوير تهديداً للمألوف ويرى المبادرة عبئاً إضافياً ويرى النجاح في بقاء الأشياء كما كانت.


ولا يمكن كذلك أن نتحدث عن تمكين المشرف التربوي ومكانته المهنية، ثم يشعر في بعض بيئات العمل أن مساحة صوته أضيق من حجم المسؤوليات التي وضعت على كتفيه وأن قدرته على التواصل والمبادرة داخل بعض القنوات المهنية مقيدة بإجراءات تجعله متلقياً أكثر من كونه شريكاً، لأن المشرف الذي نريده قوياً في المدرسة يجب أن يشعر بقيمته داخل منظومته أولاً وأن يعرف أن رأيه يسمع وأن فكرته تناقش وأن ملاحظته تقرأ وأن المبادرة التي يقدمها تجد مساحة عادلة للنظر فيها، فالمكانة المهنية لا تصنعها المسميات المكتوبة في القرارات وإنما تصنعها الثقة التي يشعر بها الإنسان عندما يدرك أن عقله جزء من صناعة القرار وليس مجرد أداة لتنفيذه.


ولعل من أكثر الممارسات التي تحتاج إلى مراجعة جادة مسألة التواصل بين الميدان والقيادات الإدارية، لأن المشرف الذي يكتب لمسؤول عن مشكلة تواجهه أو يرفع ملاحظة يعتقد أنها تؤثر في جودة العمل لا يبحث عن اهتمام شخصي ولا يريد أن تفتح له الأبواب لأنه أفضل من غيره، وإنما يريد أن يشعر بأن الرسالة المهنية التي خرجت من الميدان وصلت إلى من يملك القدرة على معالجتها وأنها وجدت من يقرأها ويفهم أسبابها ويبحث عن حلها، وعدم الرد أو تأخر التفاعل مهما كانت أسبابه قد يصنع لدى العامل في الميدان شعوراً بأن صوته لا يصل وأن المسافة بينه وبين القيادة أطول مما يجب.


وأنا لا أفتش في نيات أحد ولا أملك الحق في تفسير سبب عدم الرد أو تأخره على أنه تعالٍ أو تجاهل متعمد، لأن الحكم على النيات ليس من الإنصاف ولا من المهنية في شيء، لكنني أتحدث عن أثر الممارسة كما يراها الموظف في الميدان عندما يكتب ولا يجد جواباً وعندما يطرح مشكلة ولا يعرف ماذا حدث لها وعندما يبحث عن نافذة للحوار فلا يجد المساحة التي كان يتوقعها، فالإدارة الحديثة لا تقاس بحجم الصلاحيات التي يملكها المسؤول وإنما تقاس كذلك بقدرته على تقليص المسافة بينه وبين العاملين معه وإشعارهم بأن أبواب المؤسسة لا ترتفع كلما ارتفع المنصب.


لدينا في وزارة التعليم مشروعات ضخمة وتحولات طموحة وأفكار قادرة على صناعة مدرسة سعودية مختلفة، لكن المشروع الكبير مهما بلغت جودة تصميمه قد يتعثر عندما يصل إلى عقل إداري لم يغادر أدوات الأمس بعد، لأن تحديث الأنظمة أسرع كثيراً من تحديث طريقة التفكير وتغيير اسم البرنامج أسهل كثيراً من تغيير الثقافة التي ستنفذه وإصدار التعليمات أسهل كثيراً من صناعة الإنسان الذي يفهم فلسفتها، ولذلك فإن المعركة الحقيقية للتطوير ليست في إنتاج المزيد من المشروعات وإنما في صناعة عقل إداري مرن يستطيع أن يفهم لماذا أطلقت هذه المشروعات وكيف يحولها من نصوص مكتوبة إلى ممارسة يراها الطالب داخل فصله.


العقول الإدارية التي ترفض التجديد لا يمكن أن تكون بوابة آمنة لمشروعات تريد صناعة المستقبل، ليس انتقاصاً من خبرة أحد ولا حكماً على جيل أو شخص بعينه وإنما لأن طبيعة المرحلة تغيرت وأدوات التعليم تغيرت ومفهوم الإشراف نفسه تغير، وما كان يصلح لإدارة مدرسة قبل سنوات قد لا يكفي لإدارة مدرسة اليوم وما كان مطلوباً من المشرف سابقاً لم يعد كافياً الآن، فالوزارة تتحرك باتجاه البيانات والمؤشرات والتمكين والتحول الرقمي وقياس الأثر، ومن غير المنطقي أن تتحرك الرؤية إلى الأمام بينما تبقى بعض أدوات التنفيذ مشدودة إلى الخلف.


العدالة التي أبحث عنها في توزيع المشرفين ليست مساواة رقمية تقول لكل مشرف العدد نفسه من المدارس ثم تغلق الجدول، وإنما عدالة تقرأ حاجة المدرسة قبل اسم المشرف وتقرأ خبرة المشرف قبل مكان توجيهه وتقرأ المشروع القائم قبل اتخاذ قرار نقله وتقرأ مستوى التوافق المهني قبل مطالبة الطرفين بنتائج مرتفعة، لأن الهدف ليس أن نقول في نهاية العام إن جميع المدارس لديها مشرفون وإنما أن نستطيع القول إن وجود هؤلاء المشرفين غيّر شيئاً حقيقياً في المدارس التي عملوا معها.


لا تنقلوا المشرف الذي بدأ مشروعاً ناجحاً قبل أن يقيس أثره ويكمل رحلته، ولا تضيقوا مساحة صوته ثم تطلبوا منه أن يكون قائداً للتغيير، ولا تعيدوا توزيع الطريق كل عام ثم تحاسبوه على عدم الوصول، فالتعليم لا يحتاج إلى حركة أسماء بقدر حاجته إلى استقرار يصنع التراكم وإلى قرار يقرأ الميدان قبل أن يعيد تشكيله وإلى إدارة تعرف أن المشرف الذي يفكر ويختلف ويقترح ليس عبئاً على المنظومة، وإنما هو أحد العقول التي يمكن أن تساعدها على الوصول إلى المدرسة التي نريدها.