هناك فارق بين أن يكبر المعرض، وأن تتسع فكرته، فالأولى يمكن تحقيقها بزيادة المساحة والأجنحة وعدد المشاركين، أما الثانية فتحتاج إلى فهم دقيق لما يجعل الناس يأتون، وما الذي يمكن أن يدفع شخصًا لا ينتمي أصلًا إلى جمهور المعرض التقليدي إلى أن يجد فيه ما يعنيه.

هذه المسألة تبدو أكثر وضوحًا في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي، فاسم المعرض يرسم منذ اللحظة الأولى هوية محددة ترتبط بالصقر والصيد، ومع ذلك فإن المشهد داخله أصبح أوسع بكثير من الدائرة التقليدية للصقارين والمهتمين بالصيد، وأصبح من الممكن أن يأتي الزائر من أجل الصقور، أو الرحلات والمغامرات، أو التراث والفنون، أو الأعمال والتجارة، أو أن يأتي مع أسرته من دون اهتمام مسبق بأيٍّ من ذلك، ثم يجد طريقه إلى التجربة.

وفي هذه الأثناء، يظهر أحد أصعب التحديات في صناعة الفعاليات، فكلما اتسعت دائرة الجمهور زاد خطر أن تفقد الفعالية شخصيتها، وكثير من الأحداث تقع في هذا الفخ حين تحاول إرضاء الجميع، فتضيف المزيد من الأنشطة والتجارب حتى يصبح من الصعب معرفة الفكرة التي تجمعها، وعندها قد تنجح في زيادة عدد الزوّار، لكنها تدفع مقابل ذلك جزءًا من وضوح هويتها.

المعادلة الأذكى هي أن يتسع الجمهور من دون أن يتحرك مركز الحدث، وهذا ما يجعل الصقر مهمًا في قراءة تطور المعرض، فهو لا يحتاج إلى أن يكون حاضرًا في كل تجربة حتى يبقى في قلب الهوية، لأن العالم المحيط به أوسع من الطائر نفسه، ويمتد إلى الصحراء والرحلات والصيد والحرف والأدوات والخيول والهجن والطبيعة والفنون والذاكرة الاجتماعية، وهي دوائر مختلفة يمكن أن تتسع كل واحدة منها لجمهور جديد من دون أن تنفصل عن القصة الأصلية.

بهذه الطريقة يصبح التنوع امتدادًا للهوية، لا منافسًا لها، ويستطيع المعرض أن يخاطب أكثر من اهتمام في الوقت نفسه، من دون أن يبدو كمجموعة فعاليات جُمعت في مكان واحد، فالزائر الذي يبدأ رحلته من السيارات وتجهيزات الرحلات قد يصل إلى جانب آخر من ثقافة الصيد، ومن يأتي بحثًا عن تجربة عائلية قد يخرج بمعرفة لم تكن لديه عن الصقارة، ومن تجذبه الحِرف أو التاريخ قد يجد نفسه أمام تفاصيل ثقافية مرتبطة بالموروث الذي يقوم عليه المعرض.

هذا التحوّل مهم في صناعة الفعاليات، لأن بناء الجمهور لا يعني دائمًا البحث عن أشخاص يشبهون الجمهور الحالي، وأحيانًا يكون النمو الحقيقي في اكتشاف دوائر جديدة يمكن أن ترتبط بالفكرة من مداخل مختلفة، وهنا تتحوّل الفعالية من موعد لفئة محددة إلى وجهة لها أكثر من باب، مع بقاء جميع الأبواب مؤدية إلى الهوية نفسها.

ولعل وصول معرض الصقور والصيد إلى أكثر من 700 ألف زائر في العام الماضي يطرح سؤالًا يتجاوز الرقم نفسه، فمن غير المنطقي النظر إلى هذا الحضور باعتباره امتدادًا لجمهور الصقارين وحدهم، والأقرب أنه يعكس اتساع قاعدة الاهتمام بالحدث، وقدرته على اجتذاب شرائح جاءت لأسباب مختلفة، وهو ما يفسر أيضًا لماذا يبدو شعار هذا العام «وجهة للجميع» معبّرًا عن مرحلة وصل إليها المعرض أكثر من كونه مجرد عبارة موسمية.

لكن الوصول إلى جمهور أوسع يفرض مسؤولية أكبر، لأن الزائر المتخصص يعرف ما يبحث عنه، بينما الزائر الجديد يحتاج إلى أن تُبنى له رحلة يستطيع من خلالها فهم المكان والعلاقة بين مكوّناته، لهذا، ربما يكون هذا أحد أكثر الدروس إثارة للاهتمام في تجربة معرض الصقور والصيد، فالتوسع الحقيقي لا يعني الابتعاد عن نقطة البداية، وإنما اكتشاف مقدار العالم الذي يمكن بناؤه حولها، وكلما كان المركز واضحًا أمكن للدوائر من حوله أن تتسع أكثر.