بين إعلام لا يقول شيئاً، وإعلام يقول كل شيء ما عدا الحقيقة، وإعلام تتم محاصرته وإغراقه بكميات هائلة وسيل من الأخبار والمعلومات والتحليلات والروايات والتفسيرات. في الحالة الأولى والثانية، لا يجد المتلقي ما يبني عليه معرفته ومواقفه، وفي الحالة الثالثة، يجد الكثير من المحتوى وهو ما يستنزف قدرته على الفهم والتمييز. والنتيجة قد تكون واحدة. جمهور يرى ويسمع ويقرأ كثيراً، لكنه لا يعرف بالقدر الذي يراه ويسمعه ويقرأه.

كانت مواجهة شح الإعلام تقوم على توسيع الوصول إلى المعلومات، وكسر احتكار الرواية، وإتاحة المجال لمصادر متعددة. أما فائض الإعلام فيطرح تحدياً مختلفاً، إذ يمكن أن تكون المعلومات متاحة، والحقيقة مدفونة بين سطورها. ويمكن أن تتكاثر المنصات، بينما تضيق مساحة المعرفة المستقلة. فوفرة المحتوى لا تعني بالضرورة توفر الحقيقة. والحقيقة، في معناها المتصل بالوقائع، ليست ما يحظى بأكبر عدد من المشاهدات، ولا ما تكرره أكثر المنصات لكنها ما يمكن إثباته بأدلة قابلة للفحص.

هنا تتدخل أنصاف الحقائق بوصفها إحدى أكثر صور التضليل مراوغة. فقد يُنشر رقم صحيح دون أساس المقارنة، أو تصريح حقيقي مبتور من سياقه، أو مشهد موثق من حدث قديم يُقدَّم باعتباره حدثاً جديداً. وقد تُعرض خسائر طرف وتُحجب خسائر طرف آخر، أو تُذكر النتيجة وتُستبعد الظروف التي أنتجتها. لا يكون الكذب دائماً فيما يُروى. فقد يكون فيما حُذف، أو في العلاقة التي صُنعت بين وقائع صحيحة.

ليست كل معلومة ناقصة تضليلاً. فكل خبر يختصر جانباً من الواقع. لكن النقص يصبح مضللًا عندما يحذف ما يغيّر فهم الواقعة، أو يقود المتلقي إلى استنتاج لا تسنده الصورة الكاملة. ولهذا قد يصعب كشف نصف الحقيقة أكثر من كشف الادعاء المختلق، لأنها تستند إلى جزء صحيح يمنحها مظهر الصدقية.

وتتعمق الأزمة حين نخلط بين مفهوم التعددية ومفهوم التكرار. التعددية توسّع طرق المعرفة، أما التكرار فيوسّع انتشار ما عرفناه أو توهمنا معرفته. عندما تقدّم مصادر مستقلة مشاهدات ووثائق وبيانات مختلفة عن حدث واحد، فإنها تساعد على اختباره. أما عندما تعيد عشرات المواقع والحسابات نشر الادعاء نفسه عن المصدر نفسه، فإنها لا تضيف عشرات الأدلة، لكنها تضيف عشرات النسخ.

قد يقرأ الإنسان خبرًا في صحيفة، ثم يراه على منصة، ثم يسمعه في برنامج، فيظن أنه تلقى ثلاثة تأكيدات مستقلة. لكن الجميع نقلوه عن حساب واحد غير موثوق ربما، أو لم يعرف صاحبه الواقعة مباشرة.

وحتى اختلاف أسماء المصادر لا يكفي. فقد تتعدد الجهات، وتتطابق مصالحها أو تعتمد على المادة الأصلية نفسها. فهل انتهى مبدأ تعدد المصادر بوصفه وسيلة للحد من التحيّز وتعزيز الموثوقية والموضوعية؟ لا طبعاً. لكن ما يدعونا للمراجعة هو الاعتقاد بأن العدد وحده يصنع الثقة وهذا ليس صحيحاً، وأن إضافة مصدر ثانٍ أو ثالث تعالج تلقائياً ضعف الدليل، وهذا أيضاً غير صحيح.

وتزيد الأدوات البشرية والتقنية المتقدمة المهمة صعوبة. فالتلاعب يتم في الصورة والصوت والمقطع، ويقع في السياق والتوليف والعنوان والتوقيت. أما الإغراق فقد يكون حملة مقصودة لتشتيت الانتباه، أو نتيجة غير مقصودة لتنافس المؤسسات والأفراد على السرعة والانتشار. وقد يعيد شخص حسن النية نشر مادة مضللة، ثم تستخدمها مؤسسة إعلامية باعتبارها متداولة، فتغسلها وتمنحها «صدقية».

ومع ذلك، فإن وصف القدرة على التحقق بأنها انعدمت تماماً يمنح التضليل انتصاراً أكبر مما يستحق. الأدق أن التحقق أصبح أصعب، وأعلى كلفة، وأقل إتاحة للمتلقي العادي، خصوصاً في الأزمات السريعة. هناك وقائع يمكن إثباتها، وأخرى يمكن ترجيحها، وثالثة يجب إبقاؤها معلقة حتى تظهر أدلة كافية. المشكلة تبدأ عندما تُمحى هذه الفروق وتُقدَّم جميعها بلغة اليقين.

البديل العملي هو بناء العمل الإعلامي حول استقلال المصادر وقوة الدليل وشفافية التحقق. يبدأ ذلك بتتبع أصل الادعاء، ومعرفة ما إذا كانت الجهات الناقلة قد تحققّت منه بصورة مستقلة، وفحص الوثائق والمشاهد في سياقها. ثم الفصل الواضح بين ما ثبت، وما يرجح، وما لا يزال مجهولًا.

ويجب أن تنعكس هذه المنهجية على المنتج الذي يراه الجمهور. يمكن أن يصاحب الخبر الحساس سياسياً أو صحياً أو عسكرياً أو اقتصادياً، بيان مختصر يوضح مصدر المعرفة، والأدلة المتاحة، وحدود التحقق والموثوقية، وما استجد لاحقاً.

ليس مطلوباً من المتلقين أن يصبحوا متخصصين في الإعلام كي يعرفوا ما يجري حولهم. وليس من العدل أن يتحمّلوا هذا العبء، بينما تملك المؤسسات أدوات وموارد لا يملكونها.

أتساءل أخيراً: ما دور جهاز تلفزيون الخليج واتحاد إذاعات الدول العربية واتحادات وكالات الأنباء العربية والإسلامية في مثل هذه الأزمات، ولماذا تلتزم هذه الاتحادات الصمت، وما هو دورهم إن كان لهم من دور؟

إن ما تشهده منطقتنا من أحداث متسارعة وغير عادية وغير مسبوقة، يلقي بالمسؤولية الأخلاقية والمهنية الكاملة على المؤسسات الإعلامية الوطنية والخليجية والعربية كبيوت خبرة لابتكار وتبني آليات كفيلة بمعالجة ما تبثه وتنشره الكثير من المصادر الفردية والمؤسساتية من محتويات لا ترقى بالرأي العام ولا تليق بالمحتوى الإعلامي الواعي ولا تعكس الحقيقة!

إن شح الإعلام يحرم الرأي العام من المعلومات اللازمة للمعرفة وبناء المواقف الصحيحة، وفائضه غير المنضبط يستنزف قدرته على الحكم.