كان متوقعاً أن تقوم مليشيا الحوثي بعمل عدائي تجاه المملكة بعد أن بدأ الخناق يضيق عليها عندما تهورت بمحاولتها الاقتراب من باب المندب وفرض حصار عليه، لكنها فوجئت بتحرك قوات الحكومة الشرعية بشكل غير مسبوق لدحرها من مواقع كثيرة، وإعلان القيادة السياسية والعسكرية اليمنية أن الهدف الآن تحرير صنعاء وبقية المواقع التي تحتلها. وفعلاً هاجمت صواريخ ومسيّرات الحوثي أعياناً مدنية واقتصادية في أربع مدن سعودية صباح أمس، نتج عنها إصابة 73 شخصاً من المدنيين.


مشكلة مليشيا الحوثي أنها عاشت وهماً كبيراً بأنها قادرة على الاستمرار في مشروعها الإرهابي دون ردع. هذا الوهم تضافرت عدة عوامل في خلقه، منها التشجيع والدعم الكبير من إيران التي تصوّر للحوثيين أنه طالما استطاعت التعايش مع العمليات العسكرية الأمريكية فإنهم ـ أي الحوثيين ـ يستطيعون مواجهة قوات الشرعية اليمنية وقوات التحالف، بل ويستطيعون تنفيذ الهدف الإيراني الإستراتيجي بالسيطرة على باب المندب، وكذلك استعراض القوة بهجوم متعدد الأهداف على المملكة، من أجل خلط الأوراق وتعقيد المشهد، وهنا لا نستبعد أن تصريح المبعوث الأممي لليمن يوم قبل أمس، الذي قفز فيه على الحقائق وغالط المنطق وساوى بين صاحب الحق الدستوري وبين مليشيا إرهابية سطت على الدولة ومقدراتها، لا نستبعد أنه ساهم في تشجيع الحوثيين على اقتراف هجومهم الآثم على المدن السعودية.


هذا الهجوم الذي أصاب عدداً كبيراً غير مسبوق من المدنيين، وألحق أضراراً بمنشآت اقتصادية، لن يتم التعامل معه مثل ما حدث في المرات السابقة، فعندما تقول المملكة في التصريح الرسمي الذي صدر صباح أمس بأنها «لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها، مشددة على حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها الوطنية والحفاظ على أمن وسلامة المواطنين والمقيمين، وفق قواعد القانون الدولي»، فإنها تعني تماماً ما تقول، ولنا في الماضي القريب دليل على ذلك عندما هاجمت المملكة مليشيات عراقية موالية لإيران فكان الردع قوياً وحاسماً.


المملكة تبنت الحل السياسي في اليمن وما زالت، وحاولت امتصاص الاستفزازات المتكررة للمليشيا الحوثية رغم حدوث بعض الأضرار، وقامت بمساعٍ دبلوماسية حثيثة للوصول إلى سلام مستدام واستعادة اليمن من الاختطاف المليشياوي، لكن هذه المبادرات اصطدمت بتراخي الأمم المتحدة وعدم جديتها في تنفيذ قراراتها المتعلقة باليمن، وخصوصاً القرار 2216 لعام 2015، والقرار 2722 لعام 2024، وذلك ما شجع الحرس الثوري الإيراني على استمرار دعمه للحوثيين على مرأى ومسمع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بل وأصبح يشارك في إدارة غرفة العمليات العسكرية خلال الاشتباكات الراهنة كما تواترت الأخبار.


استسهال مهاجمة السيادة السعودية وإصابة المدنيين بهذا العدد واستهداف المنشآت لن يكون نزهة للحوثيين وداعميهم، ولن يكون حماقة تُمرر كسابقاتها. كانت المملكة ملتزمة بأقصى درجات ضبط النفس رغم كل شيء من أجل أمل السلام لليمن، لكن عصابة الحوثيين لا تفهم هذه الاعتبارات على حقيقتها، وما دامت الأمور وصلت إلى هذا الحد فمن المؤكد أن التعامل معها سيختلف، لأن سيادة الوطن وأمنه وسلامة مواطنيه لا يمكن تعريضها للخطر أياً كانت الاعتبارات.