لم تعد عبارة «أوروبا إلى الفاشية... سِرْ» مجرد صيحة تحذير مبالغ فيها؛ فنتائج انتخابات سكسونيا أنهالت الألمانية تكشف مقدار التآكل الذي أصاب المناعة السياسية والأخلاقية للقارة. لقد تصدّر حزب البديل من أجل ألمانيا النتائج، مقترباً من إمكان قيادة حكومة الولاية، وإن كان الفوز الانتخابي لا يعني أنه تسلّم الحكم بالفعل. وهذا التمييز ضروري، لكنه لا يخفف خطورة المشهد: حزب يصنّف فرعه المحلي متطرفاً يمينياً بات يطالب بتحويل تفوقه الانتخابي إلى سلطة على مؤسسات الدولة.
بعد أكثر من ثمانية عقود على نهاية الحرب العالمية الثانية، تواجه أوروبا امتحاناً يمس الأسس التي بنت عليها مشروعها الديمقراطي، خصوصاً في غرب القارة قبل امتداده شرقاً: كرامة الإنسان، والمواطنة المتساوية، وتقييد السلطة بالقانون، وحماية الأقليات، والتضامن الاجتماعي. لم يتحقق هذا المشروع كاملاً، وشابته تناقضات وانتهاكات، لكنه جعل تجاوز العنصرية والقومية العدوانية التزاماً سياسياً وأخلاقياً.
اليوم تتعرّض هذه المرجعية لمحاولة قلب منظمة، يصبح فيها المختلف متهماً، واللاجئ تفسيراً جاهزاً لكل أزمة، والحقوق عبئاً ينبغي التخلص منها. خطورة البديل تتجسّد في تحويل القلق الاقتصادي والاجتماعي إلى خصومة مع جماعات بشرية، ثم تقديم الإقصاء باعتباره برنامج إنقاذ. فالمواطن الذي يخشى تراجع دخله أو انهيار الخدمات يحتاج حلولاً للأجور والسكن والاستثمار، بينما يُدفع إلى الاعتقاد بأن استعادة مستقبله تمر عبر التضييق على جاره المختلف.
هكذا يُعاد توجيه الغضب بعيداً عن السياسات المسؤولة، ويُستبدل النقاش حول توزيع الثروة بصراع على هوية المستحقين للحقوق. ولا تنتهي التداعيات عند المهاجرين؛ فالدولة التي تقبل تفاوت الكرامة بحسب الأصل تفتح الباب لتفاوت الحريات بحسب الولاء. وعندما تُختزل الديمقراطية في أغلبية انتخابية، يمكن استخدام الصندوق لإضعاف الرقابة، ومحاصرة الإعلام، وإخضاع المؤسسات، وتجفيف المجال المدني. وفي هذا تحديداً تكمن قابلية الانزلاق نحو الفاشية: تفريغ التعددية من مضمونها تحت شعار إنقاذ الأمة.
لذلك يحمل احتمال وصول هذا الحزب إلى حكومة ولاية وزناً يتجاوز حدودها؛ فالسلطة المحلية تمنح أدوات للتأثير في التعليم والإدارة والأمن، وقد تصبح مختبراً لتطبيع ممارسات تنتقل لاحقاً إلى المستوى الاتحادي. أما الأحزاب التقليدية التي تواجه التطرف باستعارة مفرداته، فإنها تمنحه شهادة صلاحية وتساعده على تحديد أجندة النقاش. ومسؤوليتها تتضاعف حين تطلب من الناس الدفاع عن الديمقراطية من دون أن تقدّم لهم أمناً اجتماعياً أو أفقاً اقتصادياً مقنعاً.
ويتصل المشهد بموجة عابرة للحدود، سبق أن بشّر بها رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان. لا تتطابق هذه القوى في كل شيء، لكنها تتبادل التشجيع وتطبيع العداء للتعددية. وعالم تتقدّم فيه القوميات الإقصائية يصبح أكثر استعداداً للحروب التجارية، وأقل قدرة على التعاون بشأن المناخ واللجوء، وأكثر تسامحاً مع منطق القوة وازدواجية المعايير.
كما تتغذّى الصراعات الداخلية من خطاب يصور المعارضة خيانة والتنوع تهديداً، فينقلب الاختلاف الطبيعي إلى اشتباه دائم بين أبناء المجتمع. وتزداد الكلفة العالمية لأن تراجع أوروبا عن مرجعيتها الحقوقية يمنح السلطات القمعية حجة إضافية لتبرير انتهاكاتها، ويضعف صدقية المؤسسات الدولية التي تحتاج إلى دول تدافع عن قواعدها حتى حين تتعارض مع مصالحها المباشرة.
هذا هو الرهان الحقيقي: قدرة الدولة الحديثة على حماية الجميع من تعسف السلطة والأغلبية معاً. ليست الفاشية قدراً أوروبياً محتوماً، لكن منعها يتطلب مواجهة سياسية واجتماعية تتجاوز الاستنكار. يبدأ الخطر حين يصبح الإقصاء رأياً عادياً، ويتفاقم حين يصبح سياسة حكومية، وتكتمل الكارثة حين يعتاد المجتمع أن تُسلب حقوق الآخرين باسمه.


