في زمن التحوّلات الجيوسياسية والتغيّرات التقنية المتسارعة والتجاذبات الفكرية والثقافية حول الحرية والهوية والإيديولوجيا والعولمة؛ يأتي مؤتمر حوار الأمن والتاريخ الذي نظّمته وزارة الداخلية ليسد الفجوات في توقيت مهم، ويستوقف السعوديون قبل غيرهم تجاه ركيزة الأمن التي هي أساس التنمية والاستقرار، وبناء الإنسان، وأحد أهم مصادر الولاء والانتماء، ومؤشر الوعي بما يحيط بنا من تحديات، كما نستلهم من التاريخ قصة البدايات، وتضحيات الأبطال، وشموخ الوطن الذي راهن على أبنائه في الحفاظ على مكتسباته.

ربط الأمن بالتاريخ يختصر لك رحلة تأسيس الدولة ووحدتها وتنميتها، وهي قصة تستحق أن تروى كما يقول المشرف العام على المؤتمر الدكتور أحمد الطويان في كلمته خلال حفل الافتتاح، ليس لأنها قصة غير معروفة أو تبحث عن مصادر لسردها، ولكنها تستحق أن تروى جيلاً بعد جيل بكل أبعادها، ليتحقق الهدف كما يقول الطويان لمعرفة «من نحن» في محاولة جادة لتفكيك سؤال الهوية.

الجيل الحالي يحمل رسالة الأمن بمفهوم واسع، ولهذا تتجدّد رواية القصة في الأمن الفكري، والمجتمعي، والنفسي، والمعلوماتي، وكذلك الأمن السيبراني، والأمن الغذائي والمائي، بالإضافة إلى الأمن البيئي، والصحي، وغيرها من صنوف الأمن المتعددة في الطاقة، والاستثمار، والنقل، والعمل.

وهذه التعددية لا تغيّر أصل القصة المرتبطة بالأمن ووجود الإنسان وتنمية المكان، ولكنها تحاول أن تأخذ هذا الجيل إلى قصص أخرى من إنجازات الأمن التي تحققت وما زالت، وتعيدنا لمعرفة «من نحن» في سردية (ماذا كنّا، وماذا عملنا، وماذا حققنا، وماذا نستهدف)، ومن ثم هي قصة تستحق أن تروى بما يناسب كل مرحلة، وكل جيل، وكل تطور، وربطها بالتاريخ لتكتمل القصة عندما نأخذ منه الدروس والعبر، ونمضي بحاضرنا إلى المستقبل، ونحن أكثر قوة ووحدة ووعياً لمواجهة التحديات.

قصة الأمن التي نريد أن نرويها هذه المرة مرتبطة بالإعلام الرقمي بكل منصاته، وحساباته، ومواقعه، وكذلك الذكاء الاصطناعي بكل تقنياته، والانفتاح الهائل في بيئة رقمية سائلة -متغيّرة وغير صلبة- تحيط بها الخوارزميات من كل جانب، وتؤدي معها «فقاعات التصفية» دوراً بارزاً في عزل المستخدم داخل بيئة معلوماتية تتوافق تماماً مع آرائه، واهتماماته، وسلوكه السابق، مما يحجب عنه وجهات النظر الأخرى؛ ليبقى في «غرف الصدى» محاصراً بآراء غالباً ما تكون منحازة ومضللة.

رحلة الخوارزميات من التفاعل إلى الاستقطاب وصولاً إلى الاستلاب الفكري هي أخطر ما يواجهه الأمن في كل مجتمع، وتأتي هذه الرحلة مدعومة بالتدفق الهائل للمحتوى، وآلية الفرز البرمجي، وما ينتج عنها من تسلل محتويات مضادة إلى المتلقي لمحاولة إثارته وتشكيكه وتأزيمه.

ولكن الجميل أن الجيل السعودي الحالي يروي سردية الأمن في هذه المرحلة بشكل مختلف، حينما يراهن على وعيه في تنويع مصادر تلقي المعرفة للتصدي للشائعات، وتفعيل التفكير النقدي لعدم التسليم الفوري لما تعرضه الشاشات، ويستخدم أدوات التصفح الخفي وتعديل إعدادات الخصوصية لتقليل تحكم الخوارزميات، ووصل في قصته إلى قناعة بأن الحل ليس في إغلاق الشاشات، بل في فتح العقول بوعي وحس أمني وربطها بجذورها التاريخية.

هذه القصة يرويها الجيل الحالي ليعرف الجميع «من نحن»؛ حينما فرض السعوديون بمسؤوليتهم الأمنية «حائط الصد» أمام كل المحاولات اليائسة للنيل من وحدتهم، ورؤيتهم، ومستقبلهم، واستلهموا من التاريخ قيم الانتماء للوطن، والولاء للقيادة، واتخذوا من الأمن والتاريخ معاً درعاً في مواجهة الأيديولوجيات العابرة للحدود.