لم تكن سان دييغو، تلك المدينة الهادئة المطلة على المحيط، تبدو مكاناً صالحاً للموت المجاني.


لكن الرصاص حين يقرر أن يعبر القارات لا يسأل عن المدن، ولا عن المصلين، ولا عن القلوب الطيبة.


في ذلك اليوم، دخل القاتل إلى المسجد الكبير، محمّلاً بالكراهية، وأطلق النار على أناس لم يكن بينهم سوى الدعاء والسلام.


وفي لحظات قصيرة، سقط صديقي. عندما بثت وكالات الأنباء خبر القتلى وذكرت أن من بين الضحايا شخصاً يدير المتجر واسمه منصور كزيها، كان الاسم غامضاً بالنسبة لي؛ لأننا كنا ننادي من يدير المتجر باسم «أبو العز»، وهو من الجالية السورية هناك.


حتى الآن لا أستطيع أن أصدق أن الرجل الذي كنت أراه في متجر المسجد، بابتسامته الخجولة وصوته الهادئ، صار خبراً عاجلاً وصورةً يتداولها الناس على الشاشات.


كان شديد الطيبة من أولئك الذين يعتذرون كثيراً، ويشكرون كثيراً، ويخفون تعبهم عن الآخرين.


لم يكن رجلاً صاخباً، ولا صاحب حضور استعراضي، لكنه كان يملك تلك الإنسانية النادرة التي تجعلك تشعر بالأمان قربه.


أتذكر جيداً شكواه الأخيرة.


كان يتحدث بصوت منخفض عن إصابته بسرطان الجلد، وكأنه يخجل من المرض نفسه.


كان يقول إنه متعب، لكنّه لا يريد أن يثقل على أحد.


حتى ألمه كان مهذباً.


لم يمت بسبب السرطان.


نجا من معركة جسده، لكن الكراهية كانت أسرع.


أي عالم هذا الذي يترك رجلاً يقاوم المرض بصبر، ثم يقتله رصاص أعمى وهو يعمل في متجر مسجد؟


أي قسوة تجعل إنساناً يذهب إلى بيت عبادة ليحمل الموت بدلاً من الصلاة؟


أنا مصدوم وحزين بطريقة لا تشبه الحزن العادي.


هناك موت يمكن فهمه، حتى لو كان مؤلماً، لكن أن يُقتل إنسان بهذه الطيبة لأنه كان في المكان الخطأ، أو لأن اسمه مختلف، أو لأن صلاته مختلفة... فذلك يترك حفرة داخل الروح.


اليوم لا أتذكر تفاصيل الحادثة بقدر ما أتذكر وجهه.


ابتسامته المتعبة. يده التي كانت ترتجف قليلاً وهو يرتب البضائع.


وطريقته في قول: "الحمد لله"، رغم السرطان، ورغم التعب، ورغم الحياة الثقيلة.


قتلوا صديقي في سان دييغو.


ولم يقتلوا معه رجلاً واحداً فقط، بل قتلوا شيئاً من الطمأنينة داخل كل من عرفه.