-A +A
محمد الساعد
لا شك أن هناك محاولة أعجمية للسيطرة على العالم العربي، وهي قديمة قدم الفتوحات العربية لفارس والأناضول والسند وما وراءها لقد كان الشعوبيون من أصول فارسية هم أساسها، يتوارثون حلم استرداد الأراضي التي كانوا يحتلونها في العراق وحررها الفرسان العرب.

ولو راجعنا جغرافية الفتوحات «العربية» لوجدنا أن الأمويين والعباسيين نشروا الإسلام واكتفوا باسترداد أراضيهم المحتلة من الكسرويين والرومان، ولم يستوطنوا أبدا فارس أو الأناضول، صحيح كانت تحت إدارتهم، إلا أنهم لم يمارسوا دورا استئصاليا فيها.

يتطور اليوم ذلك الحلم ويقترن برغبة ملحة في الاستيلاء على الهوية الإسلامية (العربية)، لإنشاء إمبراطورية (أعجمية) الهوية، لقد جاء إحياء الهوية الفارسية متأخرا قليلا ولم تبد ملامحه إلا مع سقوط الدولة الأموية أي بعد مئة عام تقريبا من مغادرة إمبراطورية كسرى أنو شروان المشهد السياسي في المنطقة، لكن الفرس لم ينسوا أنهم أصبحوا مجرد أمة تابعة للعرب دينا.

بقي الفرس ثم من بعدهم الأتراك يحملون استعلاء حضاريا لم يقض عليه دخولهم في الإسلام، فالإيرانيون يرون العرب مجرد بدو رعاة، والأتراك يرونهم «خونة» لأنهم رفضوا احتلالهم، ولذلك تحول الفرس والترك إلى رأسي خنجرين في خاصرة الفضاء العربي، يحملان أحقاد الماضي وأحلام المستقبل في إعادة إمبراطوريات فنت لأنها استنفدت أغراضها الداخلية قبل أن يقوضها العرب، ولكن هذه المرة تحت غطاء الدين الإسلامي.

كل ذلك ولد بيئة خصبة لإيقاظ أحلام الشعوبيين، خاصة مع التحول الدراماتيكي في بنية تنظيم الإخوان المسلمين، وانحسار القرار «المصري» على حساب القرار التركي، الأمر الذي دفع بكل قوة الطموحات الأعجمية للسيطرة وقيادة العالم الإسلامي، إنه انقلاب في منظمة غير شرعية لتحقيق أحلام غير شرعية.

بنى إخوان مصر نظريتهم في نشر «الدين الإخواني» بعد صدامهم مع الشعوب والأنظمة العربية، بالهروب إلى الأطراف في المناطق المعتمة وتصعيد عملائهم فيها وهذا ما نجح مع مهاتير محمد وأردوغان اللذين روج لهما، لتسويقهما لدى عامة المسلمين.

لقد كان المسلمون طوال 1400 عام يعطون لمن يخدم الحرمين الشريفين قيادة العالم الإسلامي، وكانت تلك هي المعادلة الأساسية، حتى جاء تنظيم الإخوان المسلمين حاملا نظرية جديدة تقول إن «مكة والمدينة» ليستا سوى تروس صغيرة في حلم إمبراطوري كبير، وهما في إيمانهم مجرد مدينتين مقدستين تقبلهما العامة للاستيلاء على قراراتهم باسميهما.

الحرب اليوم ليست حرب نفوذ، بل محاولة إنشاء إمبراطوريات جديدة على حساب الدول القديمة، الصين. روسيا أبرز من يبحث عن هذا الحلم، إيران. تركيا. ماليزيا، لها طموح إمبراطوري أصغر.

نحن نرى حلفا أعجميا يتشكل على تخوم المملكة العربية السعودية، يبدأ من إسطنبول ولا يقف في كوالالمبور، يجمع صفا طويلا من المسلمين العجم شيعة وسنة وقاديانيين وعلويين وأحمديين، طوائف لا نعلم كنهها ولا كيف نشأت ولا من يقف وراءها كلها تدعي الإسلام.

فمن يضمن للمسلمين أن قادة هذا الحلف الجديد لن يكونوا قاديانيين ذات يوم لديهم الطموح في السيطرة على مكة والمدينة كما فعلها القرامطة والبرتغاليون من قبل.

إنشاء تحالف بين تركيا مرورا بإيران وباكستان وإندونيسيا وماليزيا وقطر، وربما يضم فيما بعد العراق وحماس، هدفه الحقيقي تقويض مكانة السعودية كخادمة وحاضنة للحرمين الشريفين.

وأبعد من ذلك احتلال مكة واختطافها لبناء حلم «الخلافة الأعجمية»، إنه مشروع سياسي قبل أن يكون مشروعا دينيا، وكما تقول نظريات إنشاء الدول، لا يمكن لمشروع سياسي أن يقوم بلا نظرية دينية تحمله.

لعل أخطر ما في المشروع «التركي الماليزي»، هو أنهم وجدوا خائنا داخل «القصر العربي». من يمثلون بالفعل «أبو رغال» هذا العصر، فكما كان أبو رغال دليل جيش أبرهة لهدم الكعبة مستهدفا القضاء على نفوذ الكعبة وطرق التجارة التي بناها زعيم العرب قصي بن كلاب، يقوم هذا "الرغال" بهذا الدور لهدم دور مكة لحساب إسطنبول وطهران وكراتشي وجاكرتا وكوالالمبور.

* كاتب سعودي

massaaed@

m.assaaed@gmail.com