-A +A
تركي الدخيل
للصحافة سحرها، وهذا أحد الأسباب، التي جعلت لها بلاطاً ملوكياً، صعد بها، لدرجة تسمية هذه المهنة، بصاحبة الجلالة!

ويُقال، إن الصحافيين، إذا أضنتهم مهنتهم؛ مهنة المتاعب، وعصفت بهم ذات اليمين وذات الشمال، حاولوا، من باب التسلي، تذكر أنهم، يعملون في بلاط صاحبة الجلالة!

هذه المهنة، العجيبة: متعبةٌ، وساحرةٌ، في آن، لها أسس غير مشتبهات، لا يجهلها الصحافي الهمام، شرقياً كان أم غربياً.

ضنك المهنة، تخففه شهرتها... كدُّها، يمحوه مجدها... مغامراتها، تُنسيكَها جوائزها... كل مُرٍّ في الصحافة، يجلوه حُلوٌ فيها!

أمام كل سلبية، ميزات إيجابية، ترجح بالكفة لصالح المهنة، وتزيد العاشق ولهاً، والراغب شغفاً.

ووفقاً، لما سبق، يمكننا الحديث، عن سيرة صاحبنا اليوم!

لا يمكن أن يتحدث أحدٌ، عن الصحافة السعودية، دون أن يرن في سطره، جرسٌ جميلُ النغمة، يحمل اسم أبي بشَّار، الأستاذ، خالد الحمد المالك، المولود بمحافظة الرس، في منطقة القصيم، وسط السعودية، في 1943، فهو واسِطة العِقد، ورُمَّانة الميزان، وأستاذ الأجيال، وصانع نجوم الصحافة، وثالث الثلاثة الكبار؛ تركي السديري، هاشم عبده هاشم، وخالد المالك!

بوابة الوفاء.. الطريق إلى قلب الجميع

وحسبك من الرجلِ سجيةٌ، يُعتد بها، أن يوصف بالوفاء، فها هو الأستاذ، عثمان الخويطر، يشير؛ في مقدمةٍ لكتابٍ المالك عن غازي القصيبي: «... وأنا أتابع صفة الوفاء فيما أبداه الأخ العزيز خالد بن حمد المالك... لقد كان هذا الوفاء، ومحوره غازي القصيبي، مبدياً وطنية فائقة، لأن غازي ظاهرة وطنية متميزة... إنه وفاء للإنجاز، وفاء للإبداع، وفاء للأمانة، وفاء للفكر المتميز... وفاء لإرضاء النفس بأنها قامت بما تشعر أنه لا بد من القيام به، إنه وفاء لمحبي غازي، من أهله وأصدقائه».

يبارز المالك بوفائه المستحيلات المتوهمة، التي صاغها الشاعر، صفي الدين الحلي (ت1339)، قائلاً:

لما رأيتُ بني الزمان وما بهم

خِلٌّ وفيٌّ للشدائدِ أصطفي

فعلمتُ أن المستحيل ثلاثةٌ

الغول والعنقاءُ والخِلُّ الوفي

يحسب لأبي بشار، أنَّه يُقيل عثرات الصحافيين، ويقبل اعتذار الأصدقاء، ويُكَرِّم ذكرى المبدعين، ولا يئن وإنْ أنَّ الزمان!

وعند الوفاء، يقف بإجلال وتقديرٍ لأبي بشار، الوجيه، الأستاذ عبدالمقصود خوجة: «أما الوفاء عند أخي خالد المالك، فهو سجية نابعة من عمق ذاته، وليس حلية مكتسبة، تزول أو تبهت مع الأيام، فللرجل مواقف عديدة، تُذكر فتُشكر، في زمن عزَّ فيه الوفاء، والاستفاضة في الحديث عنها يسلبها شيئاً من حميميتها، وأعلم أنه (أي المالك) يُحِبُّها طيَّ الكتمان، لترتقي في درجات الإحسان». (تكريم خالد المالك، في إثنينية عبدالمقصود خوجة، جدة، 7/‏‏‏10/‏‏‏2002).

أما صاحب الكلمة العذبة، والجملة الرومانسية، الكاتب الجميل، نصاً وروحاً، السيد عبدالله الجفري، رحمه الله (ت2008)، فيصف أبي بشار بـ«صفاء الشخصية»، ويتغنَّى بفروسيته، ونُبله، فماذا يقصد السيد عبدالله، رقيق الحرف، بصفاء المالك؟!

يجيب: «هذا الصفاء... استمده خالد المالك من وضوحه، ومن فروسية مواقفه، ومن تجارب مشواره مع الناس، وخلف مَكَن الطباعة، الهادر بكلمات نحاول أن نعي أبعادها». ويزيد الجفري، فيعُدُّ: «خالد المالك، صانع المواقف الفروسية»، ويبرر: «إنني أذكر دائماً موقفه أو وقفته معي، في ذلك اليوم الذي فصلني فيه مدير عام مؤسسة صحافية من الصحيفة (بِشَلُّوتٍ) إداري، إلى رصيف بيتي، في شارع، لم تكتمل إضاءتُه يومَها، وتوقف عمودي اليومي (ظلال)، الذي حملته في زُوَّادتي، أو كشكولي، أكثر من أربعين عاماً، أنشره وأطويه... في ذلك اليوم، أتاني صوت خالد المالك، عبر الهاتف من الرياض، يدعوني -فوراً- أن أكتب عموداً جديداً، من (ظلال)، ليظهر في صباح الغد، على صفحات «الجزيرة»، فلا يتوقف العمود أبداً. وحين كنت أكفكف دمعة الامتنان، قال لي في ذلك الوقت الذي لم تتوفر لنا فيه أجهزة (الفاكس)، سيتصل بك محرر لتُملي عليه العمود بالهاتف، وبقيت أكتب (ظلال) في الجزيرة... بذلك الترحاب في صدر خالد المالك وصحيفته».

وشهادة الراحل الجفري، إذ تثبت لخالد المالك فروسيته، إلا أنها تؤكد له، في الوقت ذاته، وطنيته، وبراءته، من وباء المناطقية.

أجمِلْ بوطنٍ، يتصل فيه قصيمي، يرأس تحرير صحيفة تصدر من الرياض، بكاتب حجازي، ليستكتبه في اليوم التالي، إثر وقف زاويته.

من انضباط العسكرية إلى حريَّة الصحافة

في سنوات المالك الأولى، درس الابتدائية، في مسقط رأسه بالرس، وبها قضى مراحل الطفولة، غير أن الأقدار اختارت له، ما لم يختره، ولك عزيزي القارئ أن تعجب، كما تعجب العبدُ الفقير إلى الله، وهو يبحث في سيرة أبي بشار، حيث لم تخلُ نشأته الأولى، من تجربةٍ عسكرية!

في 1953 افتتحت بالرس مدرسة عسكرية، كان والد خالد، الشيخ حمد المالك، أحد المطالبين بافتتاح هذه المدرسة، وبالتالي لا بد أن يكون أبناء المالك الأب، أول طلاب المدرسة العسكرية.

وجد خالد نفسه، دون خيار، طالباً في المدرسة العسكرية، يقول: «تعلمت خلال هذه السنوات السبع، شيئاً من الانضباط، والحزم والجدية، وتقبل التعليمات».

ورغم سنوات التجربة العسكرية الغضة، لدى المالك، إلا أن العاملين معه، يمنحونه صك براءة، من الأوامر واجبة التنفيذ، المستندة على ما يعتبرها بعضهم، قاعدة عسكرية، ثابتة، قوامها: «نفِّذ... ثم ناقش»!

الصحافي الشهير، وعميد الصحافيين العرب، اليوم؛ خالد المالك، لم تقف تجاربه، خارج بلاط صاحبة الجلالة، عند المدرسة العسكرية، بل جرَّب الوظيفة الحكومية، فعمل بوزارة التجارة، وبديوان المظالم، ثم قادته الأقدار، إلى حيث وضع رحاله أخيراً، في عالم الصحافة... وكأن معقر البارقي (ت580)، يتحدث عن أبي بشار في بيته الشهير، الذي سارت به الركبان، كما سارت الركبان بصحافة المالك:

فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قَرَّ عيناً بالإياب المسافرُ

أستاذ المالك للغة العربية، الفلسطيني، محمد العبد، كان آنذاك، يكتب في مجلة (اليمامة)، ثم في جريدة (الرياض)، وهو حفز المالك، ضمن بقية الطلاب، للاتجاه صوب الصحافة، فيمم صاحبنا وجهه، تجاه صحيفة (الرياض)، حيث وجد رئيس تحريرها، آنذاك، الأستاذ، عمران بن محمد العمران، (ولد 1933)، ففتح له الأبواب، ليبدأ العمل صحافياً.

أي مفارقة، عجائبية، أن تكون البداية الصحافية، لرئيس تحرير (الجزيرة)، الحالي، في صحيفة (الرياض)، الجريدة التي قضى جُل سنوات حياته في منافستها، مُسَخِّراً كل قدراته وإمكانياته، للانتصار في معركة التنافس الضارية!

البوابة الأولى: الصحافة الرياضية!

على غرار معظم رؤساء التحرير في السعودية، كانت بدايات المالك، صحافياً في القسم الرياضي، وقادته المنافسة رياضياً، مع زميله، الراحل، الأستاذ سليمان العيسى، (1946-2012)، إلى التنافس على منصب رئاسة تحرير (الجزيرة)، فكانت أصوات أعضاء مؤسسة (الجزيرة)، ترجح كفة المالك، فظفر بالمنصب.

والحقيقة، أن بدايات كثير من رؤساء تحرير الصحف السعودية، صحافيين رياضيين، يثير كل من يرقب الصحافة السعودية، إذ تقفز في ذهنه علامات استفهام مستحقة، متسائلة؛ عن سر صناعة القسم الرياضي، لمعظم رؤساء التحرير السعوديين؟

وتفسيرُ العبد الفقير إلى الله، وهو اجتهاد متواضع: أن الصحافة الرياضية، هي الأعلى سقفاً في مساحة الحرية الصحافية، بين بقية الأقسام الصحافية، فمن قرر دخول المجال الرياضي، عليه أن يُوَقِّع إقراراً عُرفياً، يرفع عنه الحصانة من النقد، وإن شئت أن تُتبع الجملة، بأن احتماليات كون النقد غير موضوعي أرجح، فلا أظنك ستخطئ! مناخ الحرية هذا، وإن كان يحمل بعض الانفلات، يصنع ممن لديه استعداد للتطور، صحافياً مميزاً، فلا يلبث أن تُقدر الصحيفة تميزه، ثم توكل له مهاماً تحريرية أعلى، يتدرج بعدها في المهام، حتى يصيب منصب رئيس التحرير.

المنعطف الأكثر إثارةً، في تاريخ المالك، العملي، بدأ فعلياً عام 1972، حين تسلم مهام رئاسة تحرير صحيفة (الجزيرة).

تأريخياً، بدأت (الجزيرة)، مجلة أسبوعية، أسسها، عام 1960، الأديب السعودي البارز، الشيخ عبدالله بن محمد بن خميس، رحمه الله (1920-2011)، ثم تحولت عام 1964، من مجلة إلى صحيفة أسبوعية.

بعد ستة أشهر، من رئاسة المالك التحرير، حوَّل (الجزيرة)، من صحيفة أسبوعية، إلى جريدة يومية، كان ذلك تحديداً في 20/‏‏‏9/‏‏‏1972.

إذا فاتتك رؤية الشغف والفخر، يمشيان على قدمين، فأنصت إلى المالك، وهو يحكي قصة تحويله (الجزيرة) لجريدة يومية... يصف زملاءه المنتظرين خارج قاعة الاجتماع، وترقبهم للقرار، متحدثاً عن طريقة زفِّه البشرى لهم، حتى تخال أنَّك أمام رجل، بُشِّر بغلامٍ، بعد أن اشتعل رأسه شيباً.

ما إن وافقت إدارة مؤسسة (الجزيرة)، على قرار التحول لصحيفة يومية، حتى طار المالك إلى مصر، والسودان، ليتعاقد مع كفاءاتٍ تسندُه في معارك المنافسة المقبلة، ثم ذهب إلى لبنان، قاصداً الخطاط الصيداوي، الشهير، كامل سليم البابا (1905-1991) رحمه الله، ليصمم شعار (الجزيرة) الجديد، فبدَّل لون الشعار الأصفر، ليصير أزرقَ هادراً كالموج.

انطلقت جريدة (الجزيرة) اليومية، وكأنها تقول لغريمتها، جريدة (الرياض): صرنا سواسية.

خلال عام؛ وبسبب سقف الحرية العالي، وتفاني الطاقم الفني والتحريري، استقطبت الجزيرة أبرز الصحافيين، وأميز الكتَّاب، فتقاطر عليها المعلنون، في تجربة نجاح مثيرة!

تلك هي المرحلة الأولى، لرئاسة المالك التحرير، والتي يقول عنها: «كانت (الجزيرة)، الأكثر توزيعاً، والأوسع انتشاراً، والأولى ربحاً مالياً»...

ولا ينتهي أبو بشار، قبل أن يضيف بزهو المنتصر، عن جزيرته في تلك المرحلة: «هي الصحيفة الأكثر سخونة، وحرارة، في النقد البناء، والتغطية الصحافية المتميزة».

صانع النجوم

رئاسة التحرير الأولى، أبرز معالمها، أن المالك، شَرَّع الدروب وفتح الباب على مصراعيه، للشباب المقبل على الصحافة، لتكون جريدته، ميداناً للتعلم، والتألق، والإبداع، وكانت السماء، سقفاً لإبداع من يملك بوادر مهاراتٍ مهنية.

لذلك كانت جزيرة خالد المالك، آنذاك، معهداً لتخريج أبرز نجوم، وقيادات الصحافة السعودية، بعد ذلك.

احسبوا معي، نتاج منجم، جزيرة خالد المالك، آنذاك، إذ تخرَّج منها:

• عثمان العمير، رئيس تحرير مجلة «المجلة»، ثم صحيفة «الشرق الأوسط».

• عبدالرحمن الراشد، رئيس تحرير مجلة «المجلة»، ثم صحيفة «الشرق الأوسط»، ثم مدير قناة «العربية».

• محمد الوعيل، رئيس تحرير صحيفة «المسائية»، ثم صحيفة «اليوم».

• محمد التونسي، نائب رئيس تحرير صحيفة «الشرق الأوسط»، ثم رئيس تحرير صحيفة «الاقتصادية»، ورئيس تحرير «عكاظ»، ومدير قناة «الإخبارية».

• حمد القاضي، رئيس تحرير «المجلة العربية».

• علوي الصافي، رئيس تحرير مجلة «الفيصل».

• عبدالعزيز العيسى، رئيس تحرير مجلة «الدعوة».

• مطر الأحمدي، رئيس تحرير مجلة «سيدتي»، ثم مجلة «لها».

• فهد الفريان، رئيس تحرير مجلة «غرفة تجارة الرياض».

• صالح العزاز، رحمه الله، رئيس تحرير صحيفة «اليوم» بالنيابة، ثم رئيس تحرير مجلة «غرفة تجارة الرياض».

• محمد الكثيري، رحمه الله، رئيس تحرير مجلة «أصداف»... وغيرهم كثير.

سُئل المالك، عن هؤلاء الأساتذة /‏‏‏ التلاميذ، فأجاب بتواضع الكبار: «لم أشعر يوماً ولو لحظة واحدة، أن من عمل معي كان تلميذاً، كنت أنظر إليهم بدون استثناء على أنهم زملاء كبار، يشاركونني في صنع النجاح، وحصتهم محفوظة لهم في ذلك، أما الفشل فهو مسؤوليتي، ولا أحبذ أن يكون هناك شركاء معي في هذا الفشل، ولازالت هذه قناعاتي وأسلوبي في العمل، وشهادتي في هؤلاء مجروحة».

ضحية القصيدة الشهيرة!

صار خالد المالك، بين الصحافيين، مضرب مثلٍ في الحفاظ على ساعات دوامه، حدثني في حوارٍ سابقٍ، أن فترتي دوامه، كل يوم تصل إلى الاثنتي عشرة ساعة، قالها بحب وطرب، وسمعتها من زملاء شباب، يجدون أبي بشار في مكتبه قبلهم؛ ويخرجون قبله. يفعل المالك ذلك، ويسميه التزاماً، وأسميه شغفاً، فمن يستطيع أن يقضي نصف يومه لعقود، بلا انقطاع، في عملٍ لا يعشقه حد الشغف؟!

يقول الأستاذ محمد التونسي، أحد خريجي مدرسة أبي بشار، في المرحلة الأولى: «خالد المالك يسعد بكل خطوة إيجابية أحققها... آخر ما صارحته به قبل أيام -وقابل ذلك بابتسامة عريضة- إنه يُصر إلى يومنا هذا، على أن يعاملني كمحرر، وأُرجع ذلك إلى أنه رجل ثابت في جانب المحبة إذا أحب، والمستحيل أن يتغير».

يضيف التونسي، متحدثاً عن أبي بشار: «لن أنسى اليوم الذي فتحت فيه الباب الخارجي، لأول بيت امتلكته في حياتي، فإذا بخالد المالك حاملاً بيده سجادة، كنت معه في طهران عندما استشارني في نوعية سجادة قبل أن يشتريها. لم أكن أعلم أنه ابتاعها، ليهديني إياها في الرياض».

يعشق المالك الشعر العربي الفصيح، وما بين فينة وأختها، تفرد صحيفته، صفحةً كاملة، لهذا الضرب الأصيل من فنون اللغة، ولم يدر في خلد أحد، أن تتسبب هذه الصفحة، في إبعاده عن (الجزيرة) سنوات طوالاً!

صبيحة يوم غير عادي، عام 1983، نشر المالك، في صفحة (الجزيرة) الأخيرة، قصيدة للوزير الراحل، الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي، عنوانها: «رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة». كان القصيبي، حينها ملء السمع والبصر، مادة صحفية تسويقية بامتياز. وهو عُيِّنَ قبل سنةٍ، من تلك القصة، وزيراً للصحة. استمتع المالك بالجوانب الفنية للقصيدة، وغاب عنه ما فيها من ترميز، ورسائل عتب، غير مباشرة، يوجهها القصيبي، لزعيم الأمة، الملك فهد، رحمه الله!

في حوار تلفزيوني، على قناة (روتانا خليجية)، يقول المالك: «القصيبي أدى القسم، وهو على رأس الوزارة، فلا يمكنني إلا أن أنشرها». يحاول التبرير، لكن غلطة الشاطر بعشر. إثر القصيدة، عُزل المالك من رئاسة التحرير، فوراً، وعزل القصيبي، من الوزارة، بعد أسابيع.

لطالما سُئل المالك والقصيبي، عن العزل والقصيدة. المالك لا يزال يراها تُمجِّد الملك، والقصيبي يعُدُّ نشرها كان خارج السياق، وليس هنا محل الشاهد ولا هناك، بل محله أن كليهما عاد إلى عمله بعد حين؛ القصيبي سفيراً فوزيراً، والمالك رئيساً للتحرير، وهو ما اعتبره المالك «تسامحاً، لا يوجد، سوى في السعودية». فتأمَّل!

إبعاد أبي بشار عن (الجزيرة)، كان طارداً للكفاءات، ما تسبب في تدهور الصحيفة منافسةً، وإعلاناً، وما بين غمضة جفن وانتباهتها... يبدل الله من حالٍ إلى حال!

تحدي العودة إلى المعشوقة!

لم يعد المالك لرئاسة التحرير، إلا بعد 15 عاماً، وفي العام 1999، بعد أن اشتكى ملاك الأسهم في (الجزيرة)، من الخسائر، وتطلعوا لإنقاذ الوضع، فتقدم 95%، من أعضاء المؤسسة، بطلب إلى رئيس مجلس الإعلام الأعلى، وزير الداخلية، حينها، الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، بعودة المالك إلى رئاسة التحرير، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، في الصحيفة التي كانت تنافس على أول المراكز، فتحولت إلى آخرها. وجد الطلب قبولاً من الأمير نايف، وترحيباً من أمير الرياض، حينها، الأمير (الملك) سلمان، فعاد المالك إلى معشوقته.

لم تكن العودة هينة بتاتاً... مؤلم أن تترك المكان، قصراً منيفاً، فتعود إليه وليس فيه إلا بقايا حطام.

العودة، التحدي، يروي المالك قصتها: «وجدت -مع عودتي- من مجلس الإدارة برئاسة الأستاذ مطلق المطلق، ما ساعدني لأعيد الجزيرة إلى سابق عهدها من حيث الانتشار والتوزيع والأرباح، واستقطاب أسماء كبيرة من الكتاب والصحفيين، والظهور شكلاً ومضموناً بما جعلها تحتل موقعاً متقدماً بين الصحف الأخرى، حتى أن الأرباح وصلت إلى ما يزيد على رأس مال المؤسسة في آخر سنتين، قبل أن تمر الصحف الورقية وبينها صحيفة الجزيرة بمرحلة الجفاف والتجفيف لما كانت تحصل عليه من موارد مالية، بفعل النقص الحاد في الإعلانات وهيمنة «التويتر» والمنصات الإعلامية الجديدة، بما فيها الصحف الرقمية، على ما كانت تقوم به الصحف التقليدية».

المراقبون، يعتبرون أبرز ملامح المرحلة الثانية، لأبي بشار في (الجزيرة)، أنه وبتواضع ومنطقية، استخدم علاقاته الشخصية، فتحول إلى رجل إعلانات، لا يجد حرجاً، في أن يهاتف كل يوم العشرات من رجال الأعمال، ومديري الشركات الكبرى، ليحثهم بـ(الميانة)، حينها، على الإعلان في (الجزيرة).

الرجل الفاضل، قطف ثمار محبة الناس، لصالح عمله، فأقبل المعلنون شيئاً فشيئاً، وأصبح المالك يتابع شؤون التسويق، والتقنيات، والطباعة، وقضايا الموظفين، بالإضافة لتجويد العمل، وبناء علاقات الجريدة بالخارج. لم ينفِ الأستاذ، خالد الملك، دور قوة علاقاته في خلق الضخ الإعلاني في الجريدة، لكنه نفى عن التجار الغباء، إذ لا يمكنهم الإعلان مراراً بمطبوعةٍ، لا تفيد مصالحهم تباعاً.

سألتُ أبي بشار، عن الفرق بين المرحلتين في (الجزيرة)، فسبقت ابتسامته الهادئة، جوابه، قائلاً: «المرحلة الأولى أكثر مغامرةً، وتوافقاً مع التطلعات الصحافية، لجيلٍ يرغب بتأسيس بنية صلبة لهذه المهنة».

بلا شك، كان الأستاذ، خالد المالك، شريكاً رئيسياً، في رفع سقف الحرية، ومراوغة الرقيب، وتعزيز المهنية، وهو ما صنع بمجموعه مغامرةً، كانت عنوان التجربة الأولى الأبرز، كما وصفها عميد الصحافيين... مغامرة، لم تخلُ من التميز، والإبداع... وبعض جنون جميل!

معارك المنافسات الضارية!

مرحلة المالك الثانية في (الجزيرة)، كان من أبرز معالمها، معارك المنافسة الطاحنة، بين أبي بشار، وصديقه اللدود، الأستاذ، تركي السديري، رحمه الله، رئيس تحرير (الرياض). الإيجابيون، اعتبروا التنافس المحموم، ساهم في تطوير المؤسستين، فانتقال صحافي أو كاتب بين هاتين الجريدتين، يحث المهنيين، على التطور، بغية استقطاب عرض مغرٍ، وإن كان منبته التنافس!

يوجز المالك رؤيته لصراع المنافسة، هذا، قائلاً: «المنافسة بين صحيفتي (الرياض) و(الجزيرة)، وبين تركي السديري، رحمه الله، وخالد المالك، وهذه بتفاصيلها وأحداثها وأزمانها، تحتاج إلى كتاب يؤلف عنها، على أن هذه المنافسة، على شراستها، مكنتنا من إحداث نقلة نوعية، في المحتوى، والانتشار، في كلتا الصحيفتين».

صراع أرقام التوزيع

المعركة بين (الرياض) و(الجزيرة) و(عكاظ)، لم تهدأ، إذ تجدد الصراع بعد نشر (الجزيرة)، أرقام توزيعها، وفقاً لكشوف شركة التوزيع، وهو ما استفز بقية الصحف!

نشر أرقام التوزيع، لم يكن الهدف منه استفزاز الصحف المنافسة، بل كان الهدف، الاستعراض أمام المعلن، لإثبات ارتفاع أرقام توزيع (الجزيرة)، واكتساحها السوق!

المنافسون، يهتمون بالمعلن ويخافون عليه، أكثر من اهتمامهم، بتفاصيل الصراع والتنافس فيما بينهم. فاعتبروا اتفاق (الجزيرة)، مع جامعة الملك سعود، حينها، على توزيع (الجزيرة) مجاناً في الكليات، تدليساً في أرقام التوزيع، فطباعة آلاف الأعداد وتوزيعها مجاناً، لا يمكن احتسابه ضمن أرقام التوزيع!

ماذا يقول المالك، عن فكرة نشر أرقام التوزيع في الجريدة؟!

- «حين نشرت أرقام توزيع الجزيرة يومياً لأول مرة في تاريخ الصحافة السعودية، بما لم تجرؤ صحيفة أخرى على ذلك، هدفي من ذلك لكي لا يستمر تضليل القارئ بأرقام وهمية، أنه دفاعي عن الصحافة الورقية كي لا تموت، كان أساسه أن الصحافة الإلكترونية بوضعها الحالي، إنما هي كذبة كبيرة كشفها المحتوى الهزيل في صناعتها، والحل الأمثل لوضع المؤسسات الصحفية، أن تتم مراجعتها لا الدفع بها إلى التراجع، مع إيماني بأن المتغيرات التقنية، اليوم، أسرع من تفكيرنا، وعلينا مسابقتها وسبقها». إنصافاً، الإجابة السابقة، عمرها يعود لسنوات عديدة ماضية.

احذروا تشييع الصحافة الورقية!

اليوم، يقف الأستاذ خالد المالك، منافحاً بكل قوَّته، من أجل بقاء الصحافة الورقية، واستمرارها. تارةً يحدثك عن القوَّة الناعمة، وتارةً أخرى يحدثك عن فئة لن تتخلى عن التصفح الورقي...

يصرخ بأعلى صوته، محذراً من تشييع الصحافة الورقية، معتبراً إعلان وفاتها، ليس ضرراً يلحق بالمؤسسات الصحافية فقط، بل كارثة تصيب المهنة، والصحافيين، ووسائل التأثير، والآثار السلبية لن تظهر فوراً، بل ستمتد لسنوات مقبلة!

TurkiAldakhil@