في منطقتنا، للمذهب قدرة على حجب السياسة؛ يكفي أن تُرفع رايته، حتى يصبح نقد المشروع عداء للعقيدة، وتجد المليشيا في قداسة الشعار حصانة من مساءلة الأفعال.


هنا يقع الخلط، وتبدأ المشكلة. فليس كل من اتخذ الدين خطاباً ناصره، ولا كل من واجه مليشيا باسمه حاربه. بين العقيدة والسلطة مسافة قد تتعمد بعض القوى إخفاءها؛ لأنها تعرف أن استدعاء المقدس يمنح قراراتها حصانة يصعب توفيرها بالسياسة وحدها.


الجماعات المسلحة، التي تتخذ من المذهب عنواناً لها، لا تمثل بالضرورة جميع المنتمين إليه. إنها تنظيمات لها قيادات وحسابات ومصالح، وقد تتعارض خياراتها مع مصالح أبناء البيئة التي تنشأ فيها. لكن الخلط بين الطرفين يمنحها ما لا ينبغي أن تحصل عليه؛ حق احتكار تمثيل الناس، وتفسير مواقف الدول نيابة عنهم، وتحويل الاعتراض عليها إلى اتهام جماعي.


هذا ليس التفافاً على البعد الديني في الصراعات، ولا إنكاراً لحضوره حين يكون مؤثراً. إنه محاولة لوضع كل عامل في حجمه، حتى لا تحجب الشعارات حقيقة المصالح، ولا تتحول الهويات إلى ستار يحمي أصحاب القرار من المساءلة.


ففي السياسة، قد تتجاور اللغة العقائدية مع حسابات النفوذ، وقد تتقدم الشعارات على الأهداف المعلنة، وقد تكون الهوية وسيلة للحشد أكثر منها تفسيراً كافياً للصراع. ومن يكتفي بما تقوله الأطراف عن نفسها، من دون النظر إلى أفعالها ونتائجها، قد يرى المشهد كما يريد المتحاربون له أن يُرى.


ومن هنا، فإن قراءة المواقف السعودية، أو مواقف أي دولة، لا تستقيم بمجرد إلحاقها بتصنيف مذهبي. فالدول تقاس سياساتها بما تواجهه من تهديدات، وما تعلنه من أهداف، وما تتخذه من إجراءات، وما تتركه من نتائج. أما إصدار الأحكام على النيات، اعتماداً على هوية الخصم وحدها، فليس تحليلاً بقدر ما هو استبدال الانطباعات بالوقائع. فالمملكة لا تحتاج إلى خلاف مذهبي لتدافع عن أراضيها.


للسعودية، مثل سائر الدول، مصالح وطنية ومسؤولية عن أمنها وسيادتها. ومن الطبيعي أن تناقش قراراتها، وأن تخضع خياراتها للتقييم والنقد. لكن النقاش الجاد يبدأ من الوقائع، لا من افتراض أن كل مواجهة مع طرف ذي مرجعية مذهبية هي مواجهة مع المذهب نفسه. فمثل هذا الافتراض لا يفسر السياسة، وإنما يصادرها داخل رواية جاهزة.


المشكلة الحوثية، في جوهرها السياسي، ليست أن أفرادها ينتمون إلى مذهب معين. فالمجتمع اليمني متنوع، والانتماء المذهبي لا يحدد وحده موقف الإنسان من الدولة أو جيرانه. المشكلة حين تحتكر جماعة السلاح والقرار، وتتصرف باعتبارها صاحبة حق في تقرير مصير البلاد، وتضع حساباتها العسكرية فوق احتياج اليمنيين للأمن والخدمات والحياة الطبيعية. والأخطر أن يتحول هذا الاحتكار إلى ورقة ضغط إقليمية.


والدفاع عن الموقف السعودي لا يحتاج إلى إنكار تعقيدات الحرب. المطلوب وضعها في سياقها الصحيح؛ دولة تحمي أمنها، وشعب يمني يستحق الخلاص من الحرب، ومليشيا مسلحة ينبغي أن تخضع للمساءلة عن أفعالها، ومنطقة لا تحتمل المزيد من الصراعات المفتوحة.


إن أخطر ما في تحويل الصراعات إلى مواجهات مذهبية هو أن الحرب عندئذ لا تعود ملكاً لمن اتخذ قرارها. تنتقل من الجبهات إلى المجتمعات، ومن حسابات السياسة إلى ذاكرة الناس، وتبقى آثارها حاضرة حتى بعد توقف المدافع. فالرصاصة قد تنتهي رحلتها، لكن الكلمة، التي تقسم الناس، قد تستمر جيلاً بعد جيل.


لذلك، يحتاج فهم الحروب إلى تفكيكها، وليس إلى مزيد من الشعارات؛ أن نرى الجماعة بوصفها جماعة، والدولة بوصفها دولة، والمذهب بوصفه انتماءً، لا حكماً مسبقاً على صاحبه. وأن نمنح الوقائع حقها قبل أن تمنحنا الروايات أجوبتها. فليست كل حرب تخاض ضد من يتحدث باسم الدين حرباً على الدين. أحياناً، تكون المعركة الحقيقية مع من يريد أن يجعل الدين درعاً لسلطته، وأن يجعل أتباعه وقوداً لها.


فلا اليمن عدو للسعودية، ولا المذهب خصمها. العداوة تبدأ حين يتقدّم السلاح على الدولة، ويصبح أمن الجار وقوداً لحرب لا رأي للمواطن اليمني فيها.