تفاءل الاتحاديون وغيرهم بالمدرب الألماني يينز فسينج، بعدما لمسوا لديه فكرًا تدريبيًا مميزًا في إدارة المباريات، انعكس على المستويات الفنية الرائعة التي قدمها النمور، والنتائج المرضية التي حققوها. ناهيك عن اختياراته الموفقة للتشكيلة الأساسية، والتغييرات التي يجريها، وحُسن توقيته في الدفع باللاعب المناسب، القادر على إضافة القوة للفريق والإسهام في رفع مستوى أدائه الفني.


-كل تلك المؤشرات جعلت الاتحاديين ينظرون إلى فسينج باعتباره مدربًا يمتلك فكرًا مختلفًا، وقادرًا على توظيف العناصر المتاحة لديه بالصورة التي تساعد الفريق على تجاوز الصعوبات ومقارعة المنافسين، رغم ما يتردد عن افتقاد الاتحاد لبعض العناصر القادرة على صناعة الفارق في المواجهات الكبيرة.


-لكن هذه الثقة لم تدم طويلًا؛ فبعد مباراتي الهلال وشباب الأهلي الإماراتي، تبدلت الصورة، وأصبح المدرب الذي أشدنا بفكره كثيرًا موضع تساؤل وانتقاد. ومن شاهد المباراتين لا يملك إلا أن يضرب كفًا بكف، حسرةً على ما ظهر به الاتحاد، وتساؤلًا عن الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع المفاجئ.


-ولكيلا يفهمني المتلقي خطأ وللتوضيح، فإن خسارة مباراة أو مباراتين لا تعني بالضرورة أن المدرب فاشل، فهذه طبيعة كرة القدم، التي تظل نتائجها مفتوحة على جميع الاحتمالات. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي يخسر بها الفريق، وفي القرارات الفنية التي يتخذها المدرب، ومدى قدرته على قراءة المنافس والتعامل مع نقاط قوته وضعفه.


-وهنا تحديدًا يأتي موضع النقد؛ ففي هاتين المباراتين، ومع الأسف، فسينج «نكب» الاتحاد! فطريقة اللعب التي انتهجها أعطت انطباعًا بأنه لم يقرأ المنافسين بالصورة المطلوبة، كما أن اختياراته للتشكيلة والتغييرات التي أجراها أثارت علامات استفهام حول مدى ملاءمتها لمجريات اللعب. ولعل مواجهة شباب الأهلي الإماراتي تحديدًا كانت كافية لإعادة النظر في كثير من القناعات التي تكوّنت لدينا تجاه المدرب، خصوصًا أن تبعات هذا التعثر لا تقتصر على نتيجة مباراة، وإنما تمتد إلى موقف الفريق في الدوري وبطولة النخبة الآسيوية.


-تعالوا إلى خط الدفاع، سواء على مستوى قلبي الدفاع أو الظهيرين، لنجد أن الخلل الدفاعي يمثل واحدة من أبرز المشكلات التي يعاني منها الفريق، وهي مشكلة لم ينجح الجهاز الفني في الحد من آثارها بالصورة المطلوبة خلال المواجهتين، فالأهداف الخمسة التي هزّت شباك الحارس المبدع رايكوفيتش تفرض التوقف طويلًا أمام التنظيم الدفاعي، وأخطاء التغطية، ومدى قدرة اللاعبين على التعامل مع تحركات المنافسين. وإذا كانت بعض الأهداف قد جاءت نتيجة أخطاء فردية ساذجة، فإن ذلك لا يعفي المدرب من مسؤولية إعداد المنظومة الدفاعية ومعالجة الثغرات التي تتكرر داخل الملعب.


-وفي المقابل، لا يمكن تحميل المدرب وحده مسؤولية كل ما حدث؛ فاللاعبون يتحملون بدورهم مسؤولية الأخطاء التي يرتكبونها، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بعناصر يُفترض أن تمتلك الخبرة والقدرة على التعامل مع المباريات الكبيرة.


-من جهة أخرى لا أعرف ما الذي حدث لمستويات بعض اللاعبين، ومنهم حسام عوار وبيريرا وفارس عايد ومهند شنقيطي وبيرجوين، إذ بدا التراجع واضحًا في الأداء، إلى جانب ما ظهر من انخفاض في مستوى اللياقة البدنية للفريق. وهي مؤشرات تستدعي من الجهاز الفني مراجعة حساباته، والبحث عن أسباب هذا التراجع، سواء كانت فنية أو بدنية أو مرتبطة بظروف أخرى أثّرت في أداء اللاعبين.


-أعلم يقينا أن هناك من سيقول إن فسينج لا يتحمل المسؤولية، وإن العناصر المتاحة أمامه لا تساعده على تقديم الأفضل، وإن الاتحاد يحتاج إلى لاعبين من أصحاب المستويات العالية حتى يتمكن من منافسة الفرق الكبيرة.


في الواقع هذا الطرح يتضمن جانبًا من الحقيقة، لكنه لا يصلح عذرًا لإعفاء المدرب من المساءلة، فكيف أشدنا بفكره التدريبي، وأثنينا على قدرته على توظيف اللاعبين واختيار التشكيلة المناسبة وإجراء التغييرات في التوقيت الصحيح، ثم نتجاهل مسؤوليته عندما يظهر الفريق بهذا المستوى في مباراتين متتاليتين؟


-بواقعية، إذا كان فسينج قد أقنعنا في مباريات سابقة، فمن الطبيعي أن نطالبه بتفسير فني لما حدث، وأن ننتظر منه معالجة الأخطاء بدل تكرارها. فالمدرب الناجح لا يُقاس فقط بقدرته على تحقيق النتائج عندما تسير الأمور كما يريد، وإنما بقدرته أيضًا على التعامل مع الأزمات، وتصحيح المسار، واستعادة توازن الفريق عندما يتعرض للتعثر.


-ومع كل ذلك فإن الإنصاف يقتضي ألا نحصر المشكلة في المدرب وحده؛ فمسؤولية بناء فريق قادر على المنافسة تبدأ من الإدارة، مرورًا باختيارات اللاعبين، وانتهاءً بالعمل الفني داخل الملعب.


-بصريح العبارة، لا أرى أن الاتحاد يستطيع الذهاب بعيدًا في الدوري أو الكأس أو بطولة النخبة إذا استمر بالمستوى نفسه، وظلت مشكلاته الفنية دون معالجة حقيقية، ولعل السؤال الذي يفرض نفسه: هل يمتلك الاتحاد العناصر القادرة على المنافسة على هذه البطولات، أم أن طموحات جماهيره أكبر من الإمكانات الفنية المتاحة للفريق؟


-الإجابة على هذا السؤال لا تأتي إلا من ملاك النادي وإدارته؛ فالتعاقد مع مدرب جيد، مهما بلغت قدراته، لا يكفي إذا لم تُدعّم صفوف الفريق بلاعبين من أصحاب المستويات العالية، القادرين على صناعة الفارق في المباريات الكبيرة، والاتحاد، بتاريخه وجماهيريته وطموحات أنصاره، لا ينبغي أن يكتفي بمجرد المشاركة، بل من حق جماهيره أن ترى فريقها منافسًا حقيقيًا على البطولات. ومن هنا، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بمحاسبة فسينج، ولا تبرئة اللاعبين من أخطائهم، وإنما بمراجعة شاملة تبدأ من الجهاز الفني، وتمر بالعناصر الموجودة داخل الملعب، وتصل إلى الإدارة المسؤولة عن توفير الأدوات التي يحتاجها الفريق للمنافسة.


-إن استمرار الوضع على ما هو عليه، مع الاكتفاء بتبادل المسؤوليات وتبرير الإخفاقات، فلن يغيّر من واقع الاتحاد شيئًا، ولن يعيد إلى جماهيره الوفية أفراح البطولات التي تنتظرها، وما عدا ذلك، «انسوا» المنافسة، واتركوا لجماهير الاتحاد المخلصة الدعاء بقولها: «منك العوض، وإليك العوض يارب».